لماذا يتصرفون كالمخابيل عندما يتولون منصبا؟
هناك مسؤولون في العراق، سابقا وحاليا، تصرفوا كالمخابيل بعد توليهم منصبا حكوميا. فالمنصب الذي يضفي هيبة ورصانة على صاحبه صار محط سخرية في هذا الزمن في العراق. هل هذه الحالة المرضية شخصية، أم اجتماعية عامة، أم ضعف متأصل في شخصية الفرد، أم أنها علامة من علامات الفساد السياسي في الدولة؟
أعرف شخصا عمل في الإعلام ويحمل البكالوريوس في القانون، وأشهد أنه كان شخصا كيسا ومتزنا ويوحي منظره ومنطقه بالرصانة والاحترام، وقد صار قاضيا لفترة من الزمن، لكنه ما إنْ تولى منصبا رفيعا، حتى أخذ يطلق تصريحات هزلية وباعثة على السخرية، منها مثلا أن “خلايا إرهابية أوكرانية تعمل في العراق هي التي هاجمت الدول العربية المجاورة”!!! هل كان يتوقع أن يقبل العقلاء بهذا التبرير؟ أم أن المنصب في العراق يتطلب أن يكون شاغله صفيقا؟
شخص آخر، أمضى حياته في البحار ولديه خبرة في قوانينها ولوائحها وضوابطها والطرق البحرية وتشعباتها، وبسبب هذه الخبرة في النقل البحري، اختير وزيرا للنقل. وبعد فترة من توزيره، أطلق تصريحا مفاده أن أجواء محافظة ذي قار هي “الآمن للطيران على وجه الكرة الأرضية، وإن المركبات الفضائية أيام السومريين (4500 سنة قبل الميلاد) كانت تنطلق منها إلى الكواكب الأخرى”.
ألا يُصنف هذا (خَبَلا) من جانب السيد الوزير، أن يتوقع أن يصدقَّه مستمعوه بوجود مركبات فضائية في العراق قبل 6500 عام! وفي مناسبة أخرى قال هذا الوزير الفكاهي إنه “يدير وزارته على طريقة الإمام العباس عليه السلام”!!! ولم يشرح لمستمعيه عن هذه الطريقة في الإدارة!
أحد الوزراء العراقيين هدد بإقامة دعوى على وزير وبرلماني آخر لأنه قال في برنامج تلفزيوني إنه عندما كان وزيرا تدخل لإطلاق سراح “عميل إيراني” من السجن وإن هذا العميل، صار وزيرا لاحقا! فظهر الوزير “العميل” ليعلن لوسائل الإعلام بأنه سيقيم دعوى على زميله لأنه شَهَّر به!
وعندما قيل له إنه لم يذكرك بالاسم فكيف يمكن أن يعتبر هذا تشهيرا؟ قال صحيح إنه لم يذكرني بالاسم، لكنه قال إن عميلا إيرانيا كان سجينا ثم صار وزيرا، ولا يوجد أحد غيري تنطبق عليه هذه المواصفات!!!! وهذا الوزير النحرير نفسه، قال في خطاب له أمام مؤتمر دولي، إننا بحاجة لإقامة “محميات لصيد الأسماك ومحميات لصيد الطيور”! يبدو أنه لا يعرف أن تعريف (المحمية) هو أنها الموقع الذي يُحظر فيه الصيد كليا، وليس الذي يُحمى فيه الصيادون.
وزير عراقي آخر صرح لوسائل الإعلام بحضور وزير أجنبي أثناء احتلال داعش لأجزاء من العراق، “إننا منفتحون على داعش”، ثم أصدر بيانا لاحقا بأنه لم يقصد ما قاله! وفي مؤتمر دولي عقد لتمويل إعمار المدن المدمرة في العراق، صرح هذا الوزير بأن “أربيل من المدن المدمرة”، علما أن أربيل تعتبر من أفضل مدن العراق تنظيما وإعمارا. وأقوال هذا الوزير الهزلية لها أول وليس لها آخر، ويتندر بها العراقيون دائما، وكان آخرها قوله عند سماعه بموت الرئيس جلال طالباني: “نتمنى له الموفقية”!
مسؤول عراقي رفيع خاطب رئيسه قائلا “خطأك صواب عندي”! ولا نعرف إن كان هذا مدحا للرئيس الذي اتُّهم بارتكاب الأخطاء، بينما كان يظن بأنه معصوم منها، أم قدحا بالمتملق صاحب المقولة الذي يعتبر الخطأ صوابا!
وزير دفاع سابق صار وزيرا للثقافة (أصالةً) ووزيرا للدفاع (وكالةً) واستحق بذلك لقب (ذي الوزارتين)! ورغم وضوح عدم أهليته للمنصب (الأصيل)، فإنه قدم دليلا إضافيا لا يقبل الدحض على عدم أهليته للمنصبين عندما أعلن يوم تنصيبه: “سأُدير وزارة الثقافة بعقلية وزارة الدفاع، ووزارة الدفاع بعقلية وزارة الثقافة”! ولم يفسر لسامعيه مقولته الفلسفية العميقة هذه!
نائب رئيس الدولة يذهب إلى إيران لاستشارة رجل دين إيراني حول حكم بالإعدام صدر بحق سجين عراقي من محكمة عراقية! إذ كان السيد النائب لديه شك بصحة الحكم! ولم يطمئن لصحة الحكم حتى أشار عليه رجل الدين الإيراني بأن الحكم صحيح، حينها اقتنع السيد النائب وعاد إلى بغداد ووقَّع حكم الإعدام بضمير مطمئن، ورحم الله السجين المسكين! وهذا المسؤول (الرفيع) يتباهى بهذه الاستشارة باعتبار أنه رجل متشرع ولا يمكنه أن يوقع حكما يتعلق بمصير إنسان دون أن (يرميها براس عالم ويطلع منها سالم)!
وزير عراقي لتسع سنوات ونائب برلماني لعدد مماثل، قال في برنامج تلفزيوني إنه لن “يعيِّن أينشتاين كنّاسا في شوارع بغداد لأنه لا يُصلّي”! وعندما رد عليه محاوِرُه “ولكن هذه دولة، فكيف تُبنى بهذه الطريقة؟”، رد قائلا “أنا لا يهمُّني بناء الدولة”! وزير آخر اعترض في اجتماع عام على الانتقاص من منتسبي المليشيات، قائلا إنه شخصيا كان عضوا في مِليشيا! والحقيقة أنه لم يكن عضوا في مليشيا ولم يحمل السلاح، لكنه أراد أن يخفي حقيقة أنه كان يعمل في منزل أحد قادة المليشيات!
رئيس وزراء، تحول إلى واعظ بعد تقاعده اضطرارا، لأن مرجعا دينيا رفيعا أفتى بعدم صلاحيته للمنصب، بعد أن أثارت أقواله الفجة وسياساته الطائفية حربا بين العراقيين، قال في خطبة متلفزة إن قسما من جيش الإمام علي انقلب عليه في إحدى الحروب، وقد أشهر المنشقون سيوفهم على الإمام، فأرسل مبعوثا إلى قائد جيش آخر كان قد بعثه إلى الشام، وكان حينها على مشارف دمشق، داعيا إياه إلى العودة للدفاع عنه، ولما عاد وجد المنشقين شاهرين سيوفهم على الإمام! رُب سائل يسأل، هل تجمّد هؤلاء المنشقون لبضعة أسابيع أثناء فترة ذهاب المبعوث على ظهر حصان من البصرة إلى دمشق وعودته؟
وزير سابق وزعيم سياسي، أو هكذا يُصنَّف، ينتمي إلى “المقاومة”، التي ظلت مجهولة البوصلة، فالعراقيون، ومعهم العالم، يجهلون الجهة التي تدعي هذه المقاومة الشريفة العفيفة مقاومتها، ظل ينكر لسبع سنوات عجاف أن الحكومة والطبقة السياسية العراقية الحاكمة التي ينتمي إليها، غير مسؤولة عن قتل مئات المتظاهرين في انتفاضة تشرين عامي 2019-2020، حتى أن وزير الدفاع آنذاك قال إن هناك “طرفا ثالثا” هو الذي قتل المتظاهرين!
هذا الزعيم “المقاوم” تبرع أخيرا باعتراف خطير يناقض موقفه السابق وهو أن “المقاومة هي التي وأدت فتنة تشرين”، وما سمّاه “فتنة” هو انتفاضة شعبية سلمية قُتل وجُرح وغُيِّب فيها آلاف الشباب العراقيين! لا شك أن خَبَلا من نوع نادر قد أصاب الزعيم وجعله يعترف بما أنكره طوال سبع سنوات، وهذا الاعتراف سيقوده إلى المحاكم، إن عاجلا أو آجلا.
نائب في البرلمان هدد بأنه سوف يفجر خط أنبوب البصرة-العقبة الناقل للنفط العراقي، والذي كان سيجنب العراق المرور عبر مضيق هرمز، ولم يحاسب أو يقاضى على هذا التهديد العلني، بل كوفئ لاحقا بتعيينه وزيرا!
هناك قصص طريفة لا حصر لها حول عشرات الأشخاص الذين تولوا مناصب في العراق خلال العقدين المنصرمين، لا يتسع لها مقال. ولكن ما هي الأسباب، يا ترى، لاختلال شخصية هؤلاء، مع توفر سبل الحصول على المعلومات وسهولة التحلي بالرصانة التي يتطلبها المنصب؟ المسؤول في معظم بلدان العالم رصين التفكير، مع استثناءات قليلة، بينما نرى هزال الشخصية وقلة المعرفة بين المسؤولين في عراق الحضارات (مع بعض الاستثناءات)؟
لدى علماء النفس آراء متعددة حول اعتلال الشخصية، أو ما يسميه غير المتخصصين بالخَبَل، منها ما هو وراثي، ومنها ما هو بيولوجي، ومنها ما ينتج عن تجارب الفرد الحياتية.
قد يتعرض الشخص لضغوط نفسية حادة أثناء الطفولة، إما بسبب الإهمال، أو جرائم العنف التي يشهدها أو يتعرض لها، وهذه تخلَّف تأثيرات سيكولوجية مستديمة. كما تساهم الاضطرابات الحياتية، كموت الأقارب أو البطالة أو الأعباء المالية، في تدهور الصحة العقلية. وتفعل العزلة والوحشة فعلها في إضعاف الصحة العقلية، خصوصا عند عدم توفر الدعم الاجتماعي والعلاج الصحي المطلوبيْن.
ومن العلل النفسية، حسب العلماء، هي الشعور بعقدة النقص التي تُلجئ المرء إلى المبالغات لإخفاء النقص الذي يشعر به. وهناك مرض (جنون العظمة) الذي يوهم المصاب بأن لديه قدرات خارقة وأنه منزَّه عن الخطأ، ويقترن بالهوس بالسلطة والسعي للتحكم بالآخرين والوَلَه بالمشاريع العظمى غير القابلة للتحقيق.
لا شك أن العراق تعرَّض إلى العديد من المآسي والحروب والأوبئة والتفاوت الاجتماعي والفقر والظلم، وهذه تركت أثرها على المجتمع الذي انتج نماذج بشرية تعاني اعتلالا في الشخصية. وهذا قد يحصل في أي بلد، وهناك قلة من البلدان التي لم تشهد اضطرابا أو فقرا أو حربا أو أعمال عنف أو كوارث طبيعية.
لكن السؤال المُلِح هو لماذا تلجأ الجماعات السياسية أو الحكومات في العراق إلى الإتيان بمختلين وغير أكفاء لإدارة الدولة؟ هل يعتقد هؤلاء أن الولاء وحده يمكن أن يقود إلى نجاح؟ أم أنهم غير مكترثين للتدهور الحاصل في البلد، الذي عبر عنه أحد الوزراء ببلاغة وصراحة: (أنا لا يهمني بناء الدولة)؟ ألم يحن الوقت لاختيار الأكفأ من ذوي الخبرة لتولي المناصب المهمة كي يتمكنوا من انتشال البلد من مآزقه ومشاكله؟
حميد الكفائي