رواية “الغائب الحاضر” تحكي سيرة الفقراء

المؤرخون يكتبون سِيِرَ الأقوياء والعظماء، والروائيون يكتبون سِيِرِ البسطاء والفقراء، والرواية صورةٌ مصغرة لأحداثٍ وَقَعَتْ، أو ممكنةِ الوقوع، اختارَ كاتبُها تسليطَ الضوءِ عليها. شخصيا، آثرتُ أن أروي قصص المظلومين، وبالأخص الذين ظَلَموا أنفسَهم ومَن حولَهم نتيجةَ تمسُّكِهم بعاداتٍ ضارة، أو إيمانِهم بأوهامٍ وخرافاتٍ موروثة. في روايتي الأولى (عابر حدود) تتبعتُ سيِرَ نساءٍ وقَعْنَ أسيراتٍ لظلمِ عاداتٍ بالية، اتَّخَذَ بعضُها طابعاً دينياَ. 

وفي (الغائب الحاضر) سلطتُ الأضواءَ على ممارساتٍ تجلّتْ فيها قسوةُ المجتمعِ على أفرادِه، في بيئاتٍ بدويةٍ وريفيةٍ وحضرية، دينيةٍ وعشائريةٍ ومدنية، فقيرةٍ وثرية، تشكِّل بتفاعُلِها وامتِزاجِها المجتمعَ العراقي. راوي الأحداث، ناظم مطشر، عانى ظلما مركبا. ماتت أمُّه مبكرا وقسى عليه أبوه،  فعاش مُشَرَّدا، ولم تسلمْ أختاه، من الأذى، فهربتْ إقبال إلى بغداد لتنجوَ بنفسها، بينما وقعتْ منال ضحيةً للعنفِ المتسترِ بالشرف. استطاع ناظم في النهاية أن يتغَلَّبَ على المصاعِب، لكنه أخفقَ في تحقيقِ طموحِه بالاقترانِ بجميلة جلال، الفتاة الذكية التي انتشلت نفسَها من مجتمعٍ محافظٍ صارم، إلى مجتمعٍ مدنيٍ حر.   

                                                                                                                                             

                                                                                                                                                       تصميم الغلاف: الفنان العراقي الكبير ضياء العزاوي

سيجد القارئ تفاعلاً وتآلفاً بين فئاتِ المجتمعِ المتباينة، فالبدوي ناصر، يساعدُ الشابُّ الحضري ناظم ويوصلُه إلى الوجيهِ الريفي سيد حاضر، فيختلط بشخصياتٍ ريفية محببةٍ وأخرى مزعجة، ويتعرف على عاداتٍ وأعرافٍ جديدة، ويعملُ في حقلِ النبيه جبار، إلى جانب السياسي الحَذِر رشيد، ثم يلتقي صدفةً بالحسناء جميلة، ويتعرف بسببِها على الدكتور حسان خالص الذي احتضنه وسانده حتى أصبحَ محاميا شهيرا. ليس غريبا أن يُدخِل الروائي أفكارَه وتجارِبَه في كتاباتِه، بل الغريبُ ألا يفعل، لكنَّ الرواية ليست سيرةً لأشخاصٍ حقيقيين، كما يتوهم البعض، إنما هي تصويرٌلأوضاعٍ وأحداثٍ، وقعتْ فعلا، في أمكنةٍ وأزمنةٍ وظروفٍ متباينة، أو لم تقعْ أساسا، لكنها محتملةُ الحدوث.

حميد الكفائي  

 

 تقديم

*إبراهيم أحمد 

 

في هذه الرواية يواصل حميد الكفائي ما بدأه في روايته الأولى “عابر حدود” الحفر في أعماق الذاكرة باحثا عن التضاريس الروحية لعالم الريف الجنوبي الذي خَبَرَه منذ طفولته وعاش معه صدماتِ تحولاتِه المتلاحقة، بما حقق من تقدمٍ أو نكوصٍ أو تجاذب لم يحسمْ ارتباطاً بتأريخِ البلادِ كلِّها. لذا فإن روايتَه هذه صفحاتٌ واضحة عما عاناه شخوصُ الرواية تحت ظروفٍ قاسية، لكي يتآلفوا مع واقعِهم الصعب أو محاولةِ البعضِ الآخر الخروجُ منه والخلاصُ من تقاليدِه المجحفة وعلاقاتِه الجائرة إلى حياةٍ مدنية جديدة!

لم يتبع المؤلف نموا تقليديا لشخوصِ روايتِه فبدا نصه أشبهَ بساحةٍ تدخل فيها شخوص وتخرج أخرى ما يجعلنا نعتقد أنه أرادَ أن يقدم روحَ ذلك المجتمع وشجونَه الكثيرةَ المتشابكة أكثر من الوقوفِ عند مصائرِ عائلةٍ واحدة أو شخصيةٍ محوريةٍ واحدة مع إنها حاضرة وبارزة، وهي شخصيةُ ناظم مطشر الذي أخذه طموحُه بعيدا حتى اصطدَم بجدار المدينة وكان هو الشخص العليم بكل دقائق الأحداث!

  الروايةُ حافلةٌ بشخوصٍ تتركُ أثرا واضحا في النفس ويصعبُ نسيانَها، ومشاهدَ ومواقفَ مثيرةٍ ممتعةٍ والتقاطاتٍ طريفة، قدمها المؤلفُ بتعاطفٍ وحميميةٍ وعذوبة.

* روائي وشاعر عراقي، من رواياته:

“طفل السي أن أن” التي نالت جائزة أدبية و”حب لزهرة الأوركيديا” و”ليلة الهدهد” وعدة مجاميع من القصص القصيرة.

 

            تقديم

د. محمد رياض العشيري *

 استطاع حميد الكفائي في روايته “الغائب الحاضر” أن يصور لقارئه الحياة بأدق تفاصيلها في العراق بعاداته وتقاليده والعلاقات الاجتماعية التي تربط بين شرائح المجتمع هناك. وتبدو الرواية كأنها فيلم تسجيلي يتعرف القارئ غير العراقي من خلاله على أنماط من الحياة في ذلك البلد العربي العريق. كما تبدو شخوصُه ناطقةً ببعضِ أفكار مبدعِها.

وما يميز أسلوبُ الكفائي هو حرصُه على لغةٍ رصينةٍ، سردا وحوارا، ربما تكون مفتقدةً في معظمِ الكتاباتِ اليوم، واهتمامُه المحمود بتشكيلِ بعضِ الكلم، حتى لا يقع قارؤه في أيٍ لبس.

*كاتب مصري. أستاذ اللسانيات في جامعة بيرمنغهام وأستاذ العلوم اللغوية في جامعة عين شمس سابقا ومن أقدم صحفيي ومذيعي بي بي سي العربية. مدير موقع “أسر الكلام” الألكتروني المتخصص في اللغة العربية