التسامح يقترن بالاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه
 الزمان 24/10/2003
 
في إحدى المناقشات في مؤتمر حزب العمال البريطاني الأخير، ألقى شخص من أصل عربي كلمة قصيرة كانت على شكل مداخلة بدأها وأنهاها بالقول إنه بريطاني وإن كل ولائه لبريطانيا وليس لأي بلد آخر ولهذا السبب فإن (من واجبه أن يؤيد بريطانيا في الحرب على العراق) علما أنه لم يكن يؤيد الحرب في الواقع. كما شكر هذا الشخص حزب العمال على منحه هذه الفرصة التي (ما كان ليحلم بها في بلده).
 
يبدو أن المؤثرات في التفكير العربي ما تزال سارية المفعول في تفكير هذا الشخص على الرغم من وجوده في بريطانيا لعشرات السنين. فهو ما يزال ينطلق من فكرة الحاجة إلى تجديد الولاء للبلد والحكومة، هذه الفكرة السائدة في البلدان العربية الرازحة تحت أنظمة التسلط والقمع. فهو ربما يعتقد بأن الحاضرين لن يصدقوه لأنه من أصل عربي، ومن هنا فإنه يحتاج إلى (طمأنتهم) بأنه يوالي بريطانيا ويحبها. كذلك فنه سعى إلى تدعيم ولائه هذا لبريطانيا بالطعن في بلاده الأصلية وثقافتها، التي ما كانت لتسمح له بالقيام بهذا العمل أو ذاك. إنه يعتقد أن تقديم الولاء لبريطانيا لا يكفي وحده لـ(إقناع) البريطانيين بأنه بريطاني مثلهم، بل إن هناك حاجة لإعلان براءته من ثقافته وبلاده الأصليتين.
 
التشكيك في ولاء الشخص للوطن أو الدين أو القومية تهمة جاهزة في بلداننا المنكوبة، تُرمي على كل من يختلف في الرأي مع الحكومة القائمة، بل يتعدي الأمر الحكومة أحيانا إلى الأفراد فطالما يتهمك أشخاص أو زملاء بأنك لست مواليا لبلدك أو لقوميتك أو لدينك، ويعطونك دروسا في الوطنية والولاء و(الحب)، لمجرد أنك انتقدت ظاهرة معينة أو لأنك لا تتفق مع هذه الجهة أو تلك في الرأي أو لأنك اختلفت معهم في قضية ما. بل ليس غريبا أن تجد من يتهمك بأنك (عميل)! ولكن من دون تحديد الجهة التي يفترض أنك تتعامل معها، ويتناسي هؤلاء أن كلمة عميل وحدها ليست سيئة، فهي تدل على التعامل، وكل من يمتلك حسابا مصرفيا يسميه البنك عميلا، وكل من له تعامل مستمر مع مؤسسة أو حتى مطعم أو متجر هو عميل، أو (معميل) بالعامية العراقية.

اطاحة النظام السابق

بعد بدء الحرب على نظام صدام حسين بأيام قلائل، دعتني مؤسسة عراقية في لندن للحديث عن الحرب والأوضاع في العراق. قلت في حديثي إن هذه الحرب ستطيح بصدام حسين وهذا هو ما تسعى إليه غالبية الشعب العراقي التي لم تتمكن طوال ثلاثة عقود من الزمن من الإطاحة بهذا النظام المعادي للإنسانية. كان بين الحاضرين شخص أعرفه منذ ما يقارب العقدين من الزمن، وهو من المعارضين الأشداء لصدام حسين، وقد جمعنا العمل المعارض مرات عديدة، إلا أنه، وبرغم معرفته بي،ةفقد كان يردد بصوت خافت لكن مسموع عبارات تشكيك بكلامي برغم أنه لم يذهب، مشكورا، إلى حد اتهامي بالعمالة، ربما لأنه يعرفني.
 
لم أرد على تشكيكاته لأن الرد كان يمكن أن يقود إلى ما لا تُحسن عقباه، كما سيتضح لاحقا، بل تركتُه يتحدث كما يريد. بعد أن انتهيت من الحديث قام أحد الحاضرين وعبر عن رأيه الموافق لرأيي، وما أن فعل ذلك حتي صرخ ذلك الشخص بوجهه قائلاً: (عميل.. سخيف.. عميل ..) وكاد الأمر يصل إلى المواجهة الجسدية لولا تدخل الحاضرين. قبل أيام رأيت الشخص نفسه (المُشكِك) في أحد التجمعات وتجنبت اللقاء به والسلام عليه، إلا أنه لحقني وقال (لماذا تتكبر علي يا حميد؟ لم تُصبِح وزيرا للإعلام بعد!).
 
فقلت له يا دكتور أنت تعلم أنني لا أتكبر إلا على المتكبر لأن ذلك هو التواضع بعينه كما يقول الإمام علي. ثانيا: أن وزارة الإعلام قد ألغيت وأنا من دعاة إلغائها لأنها تتعارض مع المبادئ الديمقراطية، وفي كل الأحوال فإن من واجب الوزير أن يتواضع لأن مهمته هي خدمة الناس ولا يحق له أن يتكبر على من يفترض أنه يخدمهم. ثالثا: إنني أخشي التعامل معك وفضلت تجنبك حتى لا يحصل أمر يقطع شعرة معاوية بيننا.
 
كان لسان حاله يقول إنه آسف على ما جرى، بعد أن كشفت الأيام صدق تحليلاتي وسلامة موقفي وزيف مخاوفه، برغم أنه لم يصرح بذلك علنا فالاعتراف بالخطأ أمر صعب ولا يقدر عليه معظم الناس لأنهم يتوهمون بأن ذلك يقلل من أهميتهم ويضعف مواقفهم، بينما العكس هو الصحيح. العبرة من ذلك أن علينا ألا نستعجل إطلاق الأحكام على الناس دون دليل لأننا قد نأسف على ذلك، بل لا يحق لنا أن نشكك بوطنية الآخرين وولائهم لوطنهم لأنه ليس هناك في رأيي من لا يحب وطنه إلا أولئك الأنانيون الذين تتعارض طموحاتهم غير المشروعة مع مصالح المجتمع، وهؤلاء قلة يحاربون المجتمع بسبب انحراف حصل لهم، وعادة ما تسن الدول والمجتمعات القوانين وتضع الموانع أمامهم.

الولاء للوطن

في البلدان المتقدمة ليس مطلوبا من أي شخص أن يكون خلافا لما يشعر به، وما يمليه عليه ضميره. في بعض الأحيان تتعارض سياسة الحكومة القائمة مع توجهات بعض مواطنيها ومن حق هؤلاء أن يعلنوا آراءهم ويدافعوا عنها وهم مطمئنون بأنه ليس هناك من يجرؤ على اتهامهم بالخيانة أو عدم الولاء للبلد. ليس هناك من يتهم المفكر الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي بخيانة أمريكا، برغم أن كل مواقفه تقريبا تنتقد السياسة الخارجية الأمريكية نقدا لاذعا، وليس هناك مَن يتهم السياسي البريطاني المخضرم توني بن بخيانة بريطانيا برغم أنه يعارض كثيراً من السياسات الخارجية للحكومات البريطانية المتعاقبة، العمالية منها والمحافظة، فقد وقف ضد حكومة المحافظين في حرب الفوكلاندز، ووقف ضد حكومة العمال في حرب العراق.
 
حب الوطن والولاء له تحصيل حاصل وأمر مفروغ منه وهو موجود بالفطرة عند كل إنسان ومن هنا ليس هناك حاجة لتجديد الولاء في كل مناسبة. كيف يمكن أي إنسان سوي مستقيم أن يكره موطنه، ومسقط رأسه، إنها أمور جُبِل عليها الإنسان تماما كحب الأم، فليس هناك من يكره أمه، وإن وجد فإنه حالة شاذة لابد وأن لها تفسيرات نفسية معينة. لذلك فإن من غير المعقول أن نعمم الحالات الشاذة على الناس جميعا، فالمجرم بريء حتى تثبت إدانته وهذه هي القاعدة المقبولة منطقيا وأخلاقيا ودينيا ومن عمل خلافها فقد جانب العقل والأخلاق والدين.
 
لا يمكن الإنسان أن يكره كيانا يشعر بأنه جزء منه، كالعائلة والمنزل والأقارب والمدينة والبلد. انعدام الولاء يحصل إذا شعر الإنسان أنه لم يعد جزءا من أهله ومجموعته البشرية، وهذا يحصل عندما يرتكب الشخص جريمة تضعه في موقع معاد لأهله وبلده، مما يجعله يستعين بكل من يساعده على أعدائه الجدد. ولهذا السبب فقد عمل صدام على إشراك أكبر عدد ممكن من الناس في جرائمه كي يضمن عداءهم للشعب ويقحمهم في موقف مماثل لموقفه. وبهذه الطريقة تمكن صدام من دفع كثيرين للدفاع عن نظامه لا حبا به بل دفاعا عن أنفسهم.
 
أما وقد أزيل صدام الآن، فقد آن الأوان لكل من اضطر إلى مسايرة صدام وامتثال أوامره أن يعود إلى الذات ويتخذ الموقف الصحيح لأن الاستمرار على المواقف الخاطئة لم يعد له مبرر، بالإضافة إلى أنه يفاقم الأخطاء والأضرار عليه وعلى المجتمع. هناك من يتوهم بأنه طالما اتخذ موقفا ما فإن عليه الالتزام بهذا الموقف حتى وإن كان خاطئا، لأن (التراجع عن المواقف أمر مشين) وأن (الرجل لا يغير موقفه وأن كلمته واحدة لا تتغير).
 
حدثني أحد الضباط ذات مرة وقال (من المعيب جدا إخراج المسدس من غمده وإعادته من دون أن ينتهي العتاد في مخزنه، وإنني إنْ استللتُ مسدسي فلا يمكن أن أعيده من دون إطلاق النار)! وهذا يعني أن المهم عند صاحبنا هو أنه لا يغير قراره حتى وإن كان هذا القرار قد اتخذ في لحظة غضب وسيؤدي إلى إراقة الدماء وإزهاق الأرواح. قد يكون المقصود من كلام الضابط هذا هو التباهي والتفاخر فقط، إلا أن العقلية التي دفعته إلى التباهي بعدم تغيير الموقف حتى وإن قاد إلي كارثة، هي التي دمرتنا وسببت تخلفنا ولن نستطيع أن نتقدم إلا إذا تمكنا من القضاء عليها واعترفنا بقابليتنا على ارتكاب الأخطاء وضرورة تصحيحها فور اكتشافها.

التسامح والتفاهم

نحن الآن ندخل مرحلة جديدة ونحتاج إلى أكبر قدر من التسامح والتفاهم والعقلانية، علينا أن نتفهم ظروف العراقيين الصعبة خلال السنوات الثلاثين الماضية، ولا نطلق الأحكام دون دليل بل ليس من واجبنا أن نفعل ذلك. لا مكان للمشككين بوطنية العراقيين وقوميتهم وأصولهم في الدولة الديمقراطية التي تساوي بين كل أبنائها، نحن عراقيون وإن اختلفنا في الأعراق والأديان والمذاهب، ولا فضل لأحد على آخر إلا بما يقدمه لإعمار العراق واستتباب الأمن فيه.
 
ليس عيبا أن يكون المرء من أصل فارسي أو هندي أو تركي أو أوروبي، فذلك شرف يضاف إلي شرفه العراقي، وهذه حضارات قدمت الكثير للإنسانية والارتباط بها أمر يبعث على الفخر، وفي كل الأحوال فإن المرء يُقاس بعمله وإنجازاته لا بأصله وما صنع أجدادُه. إن كان صدام قد استخدم هذه النعرات لتفريق العراقيين والإيقاع بينهم، فإن الأجدر بنا أن ننبذها كما نبذنا صدام ونظامه وأفكاره. نحن نأمل أن يكون هناك قضاء مستقل وأجهزة شرطة وأمن وجيش مستقلة وملتزمة بالقوانين، تحاسب المجرم لكنها تحترم إنسانيته، لأن إنسانية الإنسان فوق كل اعتبار، وكرامته مصانة حسب كل القوانين والأعراف والأديان، (ولقد كرمنا بني آدم…) كما جاء في القرآن الكريم، فإن أساء إلى الآخرين فلا يحق لأحد أن يسيء إليه لأننا إن أسأنا إلى المسيء فقد بررنا إساءته وتحولنا إلي مسيئين أيضا. الجريمة والإساءة لا تبرران التعسف والظلم بل يجب أن يعامل الجميع وفق القانون (ولا يجرِّمَنَّكم شنآنُ قومٍ ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقربُ للتقوى..).
 
المجرم والمسيء يعاقبان حسب القانون ويلقيان جزاءيهما حسب القانون أيضا، دون إساءة أو تعسف. بعد عقود من القتل والظلم والتعسف والحرمان والجريمة بأسوأ أشكالها، آن الأوان أن يتمتع العراقيون بالعدل والكرامة والرخاء بأرقى أشكالها، إنهم يستحقون ذلك بامتياز.