الحياة: ٢٦ مارس/ آذار ٢٠١٦ 
حميد الكفائي
استحوذ جورج طرابيشي على اهتمام معظم المثقفين العرب منذ ثلاثة عقود على الأقل، وكان بين قلة من المفكرين العرب الذين يشعر المرء عند قراءته كتاباتهم بأنهم يقدمون الحقيقة مجردة من الانحياز الأيديولوجي.
 
عند قراءة كتابات طرابيشي عن الإسلام، يكاد المرء ينسى أنه نشأ مسيحياً وأن اسمه جورج، لعمق إلمامه بالإسلام ديناً وتأريخاً وحضارة وشخصيات ومذاهب، وحرصه على تقديم الحقائق مجردة من الانحياز إلى قرائه العرب ومعظمهم من المسلمين.

لقد شخّص طرابيشي بدقة علة التأخر في العالم العربي، ألا وهي التعلق بالتراث الديني وإضفاء القدسية عليه وعدم القدرة على مغادرته إلى الحداثة، وقد حاول أن يجد مخارج لهذه المتاهة التي لم يستطع العرب الخروج منها حتى الآن، فطفق «يحفر» في كتب التراث الديني ويحللها حتى تجاوز عدد كتب التراث التي قرأها وحللها، كلياً أو جزئياً، الألف كتاب، بما فيها موسوعات مثل «بحار الأنوار» للمجلسي المكون من 110 أجزاء، وتاريخ ابن عساكر ذي الثمانين جزءاً، وكتاب «الأغاني» للأصفهاني، ناهيك عن كتب الصحاح كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة.

ومع كل هذا الجهد الهائل، فإن طرابيشي يؤكد أن التراث العربي هو «حقل لم يُفلَح بعد،» وأنه يتمنى لو كان بدأ بدراسته في مرحلة الشباب «لكان قد توصّل إلى أكثر مما توصل إليه».

يرى طرابيشي أننا «أمة تراثية»، وأن العقل العربي مشدود إلى الماضي «بألف آصرة وآصرة»، لذلك نحن في حاجة الى أن نتحرر من هذه الأواصر لأننا «بين ضفتي نهر»، الضفة الأولى هي الحداثة ونجاحاتها والثانية هي التراث الإسلامي، و «لا يمكننا إلا أن نسبح بذراعين ممتدتين في الاتجاهين المتقابلين»، وعلينا ألا نسمح للتراث بأن يجرنا إلى الوراء، بل يجب أن نتخذ منه عتلة للقفز إلى الأمام.

لم يترك طرابيشي حادثة تاريخية مؤثرة لم يدرسها، فمن خلافات المسلمين الأولى وحروبهم الداخلية كصفين والجمل والنهروان، إلى مقتل الحسين وكيف أثر ذلك في المسلمين الذين انقسموا إلى شطرين بسبب عقدة الذنب التي ولَّدها عند قتلته، لأنهم قتلوه، وعند من تقاعسوا عن نصرته لأنهم لم ينتصروا له، إلى الفتوحات الإسلامية ثم الخلافات المذهبية ليس بين السنة والشيعة فحسب، بل حتى بين أتباع المذهب الواحد.

وإلى جانب الترجمات الكثيرة التي أنجزها طرابيشي، خصوصاً ترجمته أعمال فرويد وسارتر وهيغل إلى العربية، فإن أهم كتبه هو سلسة «نقد نقد العقل العربي» التي رد بها على المفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي أدخله إلى علم الأبستمولوجيا، إلا أن الرجلين اختلفا بعد أن اكتشف طرابيشي خللاً منهجياً في أبحاث الجابري المتعلقة بمشروعه «تكوين العقل العربي»، وكيف أنه جمع معلوماته «من القواميس» وليس من مصادرها الأساسية. ويتهم طرابيشي الجابري بأنه يدخِل الأيديولوجيا في الأبستمولوجيا «كخلية نائمة»، واعتبر ذلك خللاً وخطراً، لأن البحث العلمي يجب أن يخلو من كل صنوف الانحياز.

وبينما كان نقد طرابيشي للجابري يستند إلى الأدلة، كشف رد الجابري عليه عن مكنونات لديه لم تكن واضحة من قبل. فبعد صمت دام سنوات، اتهم الجابري طرابيشي بأنه «ناقص تراثياً ودينياً (كونه مسيحياً)، وأن نقده قاصر لأنه ليس أكاديمياً بل مجرد ناقد روائي لا يرقى إلى مستوى تلاميذه الصغار»! لقد أساء الجابري برده، الذي وثقته حميدة نعنع في مقابلة في جريدة «القبس»، إلى نفسه وكشف عن جوانب خلل خطيرة في شخصيته، فإلى جانب كونه متعالياً على نقاده ومنتقصاً منهم، حتى وإن كانوا في مستوى جورج طرابيشي، صديقه الذي روج له وساعده في نشر أفكاره، فإنه كشف عن طائفية وانحياز خطيرين كان طرابيشي قد حذّر منهما واعتبرهما مكامن خطر في أبحاثه.

لم يتأثر طرابيشي بنقد الجابري له، بل ربما انتفع إذ زاد من إقبال الناس على كتبه خصوصاً كتابيه «نظرية العقل: نقد نقد العقل العربي» و «إشكالية العقل العربي».

كنت حين انتهيت من قراءة كتاب طرابيشي الأول، قد دهشت لاهتمامه بنقد أفكار الجابري بدلاً من طرح أفكاره في هذا المجال في معزل عن الجابري، فكتابه نظرية متماسكة مستقلة ولا تحتاج إلى التعكز على الجابري أو غيره، إلا أن طرابيشي يرى أن الجابري أخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام العربي وكان من الضروري أن يكشف مكامن الخلل في طروحاته كي لا تُعتبر أفكارُه، التي تفتقر إلى الدقة والمنهجية، حقائق علمية.

وعلى رغم أن طرابيشي يعترف بأن الخلافات العربية (التراثية) خيمة لخلافات أخرى، سياسية واقتصادية، فإنه يعتبرها حقيقية ومؤثرة في تفكير العرب الذين ما زالوا يتجادلون حول أحداث مرت عليها 1400 عام، ولا يمكن مغادرة هذا التفكير العربي القاصر من دون التعرف إلى أسباب توقفهم الطويل عند التراث واعتماده مقياساً للتفكير والأداء والتعامل مع بعضهم البعض.

يميِّز طرابيشي بين «إسلام التاريخ» و «إسلام الرسالة»، ويرى أن هناك انقلاباً حصل لدى المسلمين حينما انتقلوا من «إسلام القرآن» إلى «إسلام الحديث». ولا تسلم الأحزاب التقدمية والاشتراكية العربية من نقده، فقد اتهمها بـ «الانتهازية» لأنها لم تصارح جماهيرها «المؤمنة»، بل تحاشت الصدام معها. ويعتبِر طرابيشي «الإسلام السياسي» هرطقة لا وجود لها في التاريخ، ويجزم بأن الإسلام في حاجة إلى «الروحنة» وليس إلى التسييس، كما يحذر من العودة إلى الوراء بعد أن فشل مشروع الحداثة العربية، فمجتمعاتنا التي كانت تسعى إلى اللحاق بالمجتمعات الغربية، إثر تعرضها لـ «جرح نرجسي» خلفته غزوة نابليون وانكشاف حجم التخلف العربي، لم تعد تتحمل رأياً حراً إثر هزيمة 1967 التي أحدثت «رضة» مهدت لـ «ردة» نتج منها انفجار الصراعات الطائفية.

لقد تميزت كتابات طرابيشي بالأمانة وبجرأة نادرة قد لا يتحملها بعضنا، لكنها مصحوبة بتواضع غير مألوف في الأوساط الثقافية. غياب طرابيشي المبكر يعدّ ثلمة كبيرة في الثقافة العربية وخسارة إضافية لا تتحمّلها في زمن الخسائر والهزائم.

 

http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/14681879/%D8%AC%D9%88%D8%B1%D8%AC-%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A–%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AB-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B6%D9%8A-%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84