التغيير العراقي تصنعه المشاركة لا الشعور بالمظلوميّة

الحياة، ٩ مارس/ آذار ٢٠١٦

أجواء الإحباط والتراجع التي يعيشها العراق منذ زمن، أنتجت ظاهرة توجيه النقد القاسي الى عموم الطبقة السياسية من برلمانيين ومسؤولين حكوميين وزعماء حزبيين ومحترفي سياسة، إذ يتعرض هؤلاء في شكل تعميمي لشتى التهم من سرقة وفساد ومحسوبية وطائفية وسواها. بل إن هناك من يضع اللوم على النظام الديموقراطي ويطالب بإلغائه كلياً.

لا شك في أن العراق يعاني مشاكل خطيرة وحقيقية، معظمها أنتجته الطبقة السياسية الحالية بسبب سوء إدارتها الخلافات بينها وإصرارها على تحقيق مصالحها على حساب المصلحة العامة، ووضعها أشخاصاً فاسدين وغير أكفاء في إدارة الدولة، إضافة الى غياب الثقة بين أطرافها، حتى ضمن ذوي الانتماء المذهبي أو العرقي الواحد. في إمكان المرء أن يكتب المطولات عن مساوئ الطبقة السياسية الحالية، وسيكون هذا سهلاً ومريحاً، لكنه لن يغير شيئاً في الواقع، كما أنه مضلل الى حد كبير لأنه يحصر المشكلة بمجموعة محددة من الناس، من دون تمييز بينها. والأخطر، استهداف من يمكن توجيه النقد إليهم وترك الأسوأ والأخطر.

إحدى المشكلات في هذا النقد، طابعه العمومي الذي لا يميز بين من يستحق النقد فعلاً ومن لا يستحقه، أو يفرط في نقد من يتحملون مسؤولية أقل في الفشل الحالي. فهناك ساسة اتخذوا مواقف شجاعة وصحيحة وقدموا المصلحة الوطنية على مصلحتهم أو مصلحة أحزابهم، ومنهم من رفض أن يتلوث بالفساد، بل ذهب بعضهم الى السجن ظلماً لرفضه أن يُغيِّب ضميره الإنساني والوطني ويتبع إملاءات جهة سياسية نافذة أو زعيم قوي، كما أن هناك قضاة عادلين وشجعاناً كانوا يحكمون وفق ما يمليه عليهم واجبهم المهني، وقد تحملوا ضغوطاً وعقوبات بسبب ذلك.

يصبّ المنتقدون جام غضبهم على كامل مؤسسات الدولة من دون تمييز بينها ومعرفة أدوارها الحقيقية ومهامها الدستورية. مثلاً، يشتم عراقيون كثر البرلمان ويصفون أعضاءه بأقذع الأوصاف ويتهمونهم بالفساد وسرقة الدولة، وقد طالبوا بتخفيض رواتبهم وهو ما حصل في خطوة تعكس الفشل في فهم جذر المشكلة وطريقة الحل. والحقيقة، أن البرلمان لا يدير الدولة، وليس مسؤولاً عن البيروقراطية الهائلة في أجهزتها ولا عن الفساد المتفشّي فيها، على رغم وجود برلمانيين فاسدين كجزء من الحالة العامة. مهمة البرلمان تشريع القوانين ومراقبة أداء أجهزة الدولة، وفي هاتين المهمتين يعتمد أداؤه على تفاعل الحكومة معه. الرقابة والتشريع ليسا كافيين إن لم تكن هناك حكومة متجاوبة، فقد شرع البرلمان على مدى السنوات العشر الماضية، قوانين مهمة ومفيدة لكنها بقيت من دون تنفيذ بسبب رفض الحكومة ذلك. ميزانية الدولة ليست تحت تصرف البرلمان، فالحكومة هي التي تنفق الأموال، وبالتالي ليس صحيحاً اتهام البرلمان بسرقة الأموال او إضاعتها في عقود فاسدة أو وهمية. ميزانية البرلمان السنوية عام ٢٠١٥ لا تتعدى ٢٨٠ مليون دولار، وهذه تشمل رواتب الأعضاء وحماياتهم ونفقات الزيارات والمباني والهيئات التابعة للبرلمان وغيرها، فيما بلغت ميزانية الحكومة للعام نفسه نحو ١٠٥ مليارات دولار. العراق يعاني سوء صرف الأموال المخصصة لأجهزة الدولة ونشاطاتها ونفقاتها، وليس الأموال المخصصة للبرلمان التي لا تخلو من سوء إدارة.

المشكلة الأخرى في هذا النقد، أن المنتقدين يعفون أنفسهم من المسؤولية في صناعة المشكلة الحالية، وينسون أنهم مسؤولون أيضاً عن جلب هذه الطبقة السياسية الى مواقع الحكم والمسؤولية عبر انتخابها وإعادة انتخابها، على رغم فشلها المتكرر في إدارة شؤون البلد. ويرتبط جزء كبير من رفض تحمّل المسؤولية بعقدة المظلومية التي ترسخت عند القسم الأعظم من العراقيين، الذين يرون أنفسهم ضحايا العالم الخارجي ومؤامراته المفترضة، فضلاً عن سوء الطبقة الحاكمة وجشعها وضعف حس الوطنية لديها. الإحساس بالمظلومية مريح غالباً، لكنه خادع ويحول الشخص من إنسان فاعل يصنع الأشياء بنفسه الى إنسان عاجز ينتظر حدوث الأشياء من دون أن يشارك في صناعتها أو التأثير فيها.

قسم كبير من الأحزاب الدينية وخطباء المنابر ومحطات الإعلام الدينية ذات الخطاب الطائفي، يرسخ إحساس المظلومية لدى الجمهور، وبالتالي يساهم في تحويله جمهوراً عاجزاً ومنتظراً، بدل أن يكون رقيباً فاعلاً ومشاركاً. وصعب جداً القبول بمنطق الضحية والمظلومية السائد بين العراقيين في ظل وجود انتخابات حرة عموماً، توصل الى سدة الحكم من يختاره الناس. المختار ليس مضطراً أو عاجزاً، ولا ضحية، بل شخص فاشل في خياراته السياسية والانتخابية وعليه أن يتحمل نتيجة هذا الفشل ويحاول إصلاحه، لا أن يلقيه على عاتق «القدر» و «المؤامرة» و «ظلم» الآخرين.

شجاعة مواجهة الذات هي بداية الخروج من نفق المظلومية الطويل والمظلم وتحمّل المسؤولية عما يحصل. وإزاء الفشل في اختيار الزعماء المناسبين، يحتاج العراقيون أن يتحلوا بالشجاعة الجمعية لمواجهة أنفسهم بدل التشكّي والتظلّم و «انتظار الفرج».

بالطبع، لا يمكن وضع كل العراقيين، كجمهور، في خانة الفشل والعجز هذه، فهناك العراقيون المحتجون الذي يخرجون أسبوعياً منذ أشهر طلباً للتغيير والإصلاح عبر طرق سلمية عصرية. ويمثل هؤلاء، بسلوكهم كجماعة، نقطة ضوء واعدة في مشهد عام مظلم يسوده التشاؤم. وهؤلاء المحتجون الذين تحظى مطالبهم بتأييد معظم شرائح المجتمع، مدعوون للبقاء خارج الصراعات السياسية، بل عليهم ألا ينخرطوا في أي تنظيم جديد أو قديم يسعى إلى تمثيل العراقيين والاستفادة من حركة الاحتجاج. عليهم أن يبقوا قوة تدعم التيارات الإصلاحية الديموقراطية الحقيقية، لا أن يكونوا جزءاً من تيار سياسي محدد كما يسعى بعض الناشطين الحزبيين بينهم. لقد ساهم المحتجون في إنهاء الانتظار والتظلم السائدين في المشهد العراقي، وتحويل الناس الى فاعلين في صناعة أقدارهم وليس مجرد متلقّين. لكن على قادة الاحتجاج أن يتحلوا بالواقعية ويتفاعلوا مع التنازلات التي قد تقدمها لهم الحكومة أو الكتل السياسية، فالإصرار على الإصلاحات الجذرية الفورية يصعب تحقيقه، والتشدّد قد لا يقود إلى النتائج المرجوة.

حميد الكفائي

http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/14373467/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%AA%D8%B5%D9%86%D8%B9%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%84%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%B1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D9%91%D8%A9