الحياة، ١٧ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٥ 

لا تتردد وسائل الإعلام الغربية الناطقة بالإنكليزية في إطلاق تسمية «الدولة الإسلامية» على تنظيم إرهابي يدعي الإسلام، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره «دولة»، على رغم سيطرته على أجزاء من العراق وسورية. هذه التسمية خاطئة مهنياً وموضوعياً على رغم كل المسوغات «المهنية» التي تقدم لتبريرها.

مهنياً لا يجوز أن تسمح وسائل الإعلام أن تكون واسطة للترويج المجاني لمنظمة إرهابية، بل لا يجوز لها أن تروج حتى للأحزاب أو الشركات أو البضائع من دون إخطار المتلقين بأن ما تفعله هو ترويج مدفوع الثمن. أما موضوعياً فإن «تنظيم الدولة» أو «داعش» مرفوض إسلامياً، وقد أعرب مراجع الدين والفقهاء وأئمة المساجد والمفكرون المسلمون ودور الإفتاء عن أن هذا التنظيم، ومعه كل الجماعات الإرهابية التي تستخدم غطاء الدين لتبرير وجودها، لا تمت إلى مبادئ الإسلام بصلة بل هي تسيء إليه وتجعل منه ديناً لا يعرف التسامح ويلجأ إلى العنف كوسيلة للانتشار، وهذان الوصفان لا ينطبقان عليه، لا فقهياً ولا تاريخياً.

أما وصف هذا التنظيم الذي يستخدم العنف ضد الأبرياء والضعفاء بـ «الدولة» فإنه هو الآخر غير منطقي وغير صحيح، لأنه ببساطة ليس دولة ولا يمكن أن يعترف له العالم بهذه الصفة، حتى وإن تمكن موقتاً من السيطرة على أجزاء من العراق وسورية. إنه تنظيم لا يتردد في ارتكاب جرائم القتل والاختطاف والاغتصاب والسلب والنهب، وقد مارس هذه الجرائم في العراق وسورية ثم انطلق إلى أوروبا ليرتكب جرائم مماثلة كما رأينا في جريمته الأخيرة في باريس والتي «أقنعت» العالم بأن هذا التنظيم خطر ليس على البلدان الإسلامية فحسب بل على بلدان العالم الأخرى أيضاً. إنه تنظيم لا يقبل التعايش مع الآخرين بل يؤمن بإخضاع من يختلف معه في الرأي أو المعتقد إلى سلطته بالقوة مستخدماً كل ما هو متاح له من وسائل بما في ذلك الأسلحة المحرمة دولياً. 

إن استخدام وسائل الإعلام الغربية لاسم «الدولة الإسلامية» للإشارة إلى تنظيم «داعش»، على رغم الاعتراف بأنه استخدام لا يهدف عن قصد إلى الإساءة إلى الإسلام، يترك انطباعاً عند الإنسان الغربي العادي، غير الملم بشؤون الإسلام أو العالم العربي، وهؤلاء هم الغالبية، بأن ما يفعله هذا التنظيم يمثل حقيقة الإسلام، بل قد يقتنع كثيرون بأن هناك «دولة إسلامية» في مكان ما من العالم الإسلامي تمارس هذه الفظائع.

وعندما يرتكب هذا التنظيم جرائمه البشعة، فإن الإنسان العادي سوف يربط ذلك بالدين الإسلامي ويزعزع ثقته بالإنسان المسلم ويترك لديه انطباعاً سيئاً عن هذا الجزء من العالم ويلحق به أضراراً اجتماعية واقتصادية وسياسية ويتسبب في تأخره في كل المجالات. لن يتمكن المسلمون في المستقبل من أن يعيشوا في شكل طبيعي في البلدان الغربية كمقيمين أو طلاب أو سياح إن كانت الأجواء فيها معادية لهم وقد بدأت تتلبد بالعداء في العديد من البلدان الغربية. فما كان لليمين الفرنسي المعادي للأجانب أن يحصل على ما حصل عليه من مكاسب انتخابية في الدورة الأولى لولا جرائم «تنظيم الدولة» الأخيرة في باريس، وما كان مرشح الرئاسة الجمهوري الأميركي، دونالد ترمب، ليجرؤ على المطالبة بمنع المسلمين من دخول أميركا لولا تبلور أجواء معادية للمسلمين أراد ترمب أن يستغلها انتخابياً لمصلحته.

نعم، مطالبته الحمقاء تلك أضرّت به سياسياً بسبب ردود الفعل الرافضة لها، إلا أن الحقيقة هي أن الإعلام الغربي مشارك، من دون قصد، في خلق هذه الأجواء العدائية تجاه العرب والمسلمين عبر ربطه جرائم الجماعات الإرهابية بأسماء إسلامية. الغربيون لن يشعروا بالأمان عند ذهابهم إلى العالم الإسلامي سواء للعمل أو السياحة في ظل هذه الشكوك والأجواء العدائية. 

كتبت مقالاً باللغة الإنكليزية ينتقد هذه الظاهرة لكنني اصطدمت بأن الصحف التي كانت تنشر مقالاتي سابقاً تجاهلته، ربما لأنه يوضح الخطأ الذي وقعت فيه وسائل الإعلام الغربية في إطلاقها تسمية «الدولة الإسلامية» مترجمة الاسم إلى اللغة الإنكليزية، على «داعش»، بينما بقيت تشير إلى الجماعات الإرهابية الأخرى، كالقاعدة وبوكو حرام وجبهة النصرة وطالبان، بأسمائها الأجنبية غير المفهومة للمتلقي الغربي. وفي النهاية نُشر المقال في صحيفة إنكليزية مهتمة بالشؤون الدولية.

محاربة الإرهاب تحتاج إلى جهود جادة وحثيثة في كل الاتجاهات ومنها أن تمارس وسائل الإعلام أقصى درجات الحذر من أن تصبح لعبة بأيدي الجماعات الإرهابية، بحيث أنها تروّج لها من دون قصد. 

لا شك في أن المسؤولية الأولى في محاربة الإرهاب المتخذ من الدين غطاء له تقع على عاتق الفقهاء ومراجع الدين وأئمة المساجد الذين يحتاجون إلى توضيح الموقف الديني من الجماعات المسلحة التي تمكنت بسبب استخدامها الدين من تجنيد آلاف الشبان في صفوفها. هناك حاجة مُلِحّة لأن يتخذوا موقفاً موحداً حيال هذه الجماعات ويعلنوا للمسلمين قبل غيرهم أن الموقف الشرعي يحتم عليهم محاربة كل صنوف العنف والإكراه والقسر، فدين الله لا يمكن أن ينتشر عبر هذه الوسائل المحرّمة والقرآن واضح في نهجه الذي يقوم على الحكمة (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة – النحل ١٢٥)، وحرية المعتقد (لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي – البقرة ٢٥٦)، والحوار (فذكّر إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر- الغاشية٢١ و٢٢)، وحرية الاختيار (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر – الكهف ٢٩)، وتكريم الإنسان بغض النظر عن رأيه أو معتقده (ولقد كرّمنا بني آدم – الإسراء ٧٠). 

مع ذلك، تبقى مسؤولية وسائل الإعلام كبيرة في نقل الحقائق للناس، لذلك فإن تجنبها المصطلحات التي يمكن أن تعطي انطباعاً خاطئاً حول أي قضية، خصوصاً القضايا المتعلقة بالدين والمعتقد، يجب أن يحتل أولوية في سياساتها التحريرية وسلوكها المهني.

حميد الكفائي

http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/12832335/وسائل-الإعلام-الغربية-تُنصّّب-«داعش»-دولة-إسلامية!