الزمان- 21/1/2008
تعرفت على بي نظير بوتو عن قرب في لندن مطلع العام الماضي (2007) أثناء لقاء جمعنا مع مسؤولين بريطانيين وأمريكيين وعرب، وقد شاركنا جميعا في برنامج بثه التلفزيون البريطاني، بي بي سي، حول علاقة الغرب مع العالمين العربي والاسلامي. ولم يكن اللقاء لقاء تعارف، بالنسبة لي على الأقل، فقد عرفت عنها وعن عائلتها الكثير، اذ كنت من المتابعين والمعجبين جدا بأبيها ذو الفقار علي بوتو الذي حكم الباكستان لبضع سنوات كرئيس للدولة ورئيس للوزراء. كان ذو الفقار علي قد اختط نهجا ديمقراطيا علمانيا فريدا في دولة اسلامية كبيرة هي الوحيدة في تلك الفترة التي كانت تحكم ديمقراطيا بين دول العالم الاسلامي، وكانت احدى أمنياتنا نحن الشباب في تلك الفترة أن تحذو البلدان العربية والاسلامية حذو باكستان وتتحول تدريجيا نحو الديمقراطية، وكنا مستاءين جدا من الذين يروجون لفكرة “أن الديمقراطية لا تصلح لبلدان الشرق بشكل عام لأنها غربية المنشأ والتطبيق” ووجدنا في نجاح الديمقراطية الباكستانية حجة دامغة ضد خصومنا. شخصية ذو الفقار علي كانت أيضا شخصية كاريزمية محببة تحمل مقومات القدوة للشباب، تشعرهم بالتفاؤل والأمل والثقة بالنفس والقدرة على التجديد، خصوصا وأنه زعيم ليبرالي ديمقراطي مسلم لدولة قامت على أساس التميز الديني. هذا التميز هو الذي دفع مؤسسيها، وفي مقدمتهم محمد علي جناح، الى المطالبة باستقلال الأجزاء ذات الأغلبية المسلمة في الهند، وعلى هذا الأساس نالت باكستان بشقيها الغربي والشرقي »بنغلاديش« استقلالها من بريطانيا عام 1947. وعندما أطاح انقلاب عسكري قاده الجنرال محمد ضياء الحق عام 1975 بحكم بوتو المنتخب، ثم أحاله الى المحاكمة وحكمه بالاعدام، اعتبر الكثيرون من المتطلعين للتطور السياسي في المنطقة ذلك نكسة كبيرة للديمقراطية، اذ مثلت الديمقراطية الباكستانية الأمل بالنسبة للكثيرين في البلدان الفقيرة، المحرومة من الرخاء الاقتصادي وفرص التعليم والرفاهية، اذ كانت تلك الشعوب تأمل أن تعوض عن فقرها المادي وتأخرها التكنولوجي بتقدم سياسي ونظام حكم مقيد بقوانين ودستور وانتخابات حرة، يمكن أن تساهم في التنمية الاقتصادية واعادة توزيع الثروة.

شعبية واسعة
 

لم يكن أحد يتوقع أن يقدم ضياء الحق فعلا على تنفيذ حكم الاعدام بزعيم منتخب ذي سمعة عالمية كذو الفقار علي بوتو لما يتمتع به الرجل من شعبية واسعة، ليس في الباكستان فحسب بل في المنطقة ككل ومعظم بلدان العالم، لكن تلك الشعبية والسمعة الدولية مثلتا حافزا على ما يبدو للجنرال ضياء للاقدام على تنفيذ الحكم في الرابع من نيسان 1979، متجاهلا كل المطالبات الشعبية والرسمية من جميع أنحاء العالم بالعفو عنه، بما في ذلك ايران الثورة الاسلامية الفتية التي قام الجنرال الباكستاني بزيارة مفاجئة لها قبيل تنفيذ الحكم، وربما تمكن من اقناع قادتها الجدد بـ “عدالة” الحكم الصادر ضد بوتو أو “ضرورته”. لقد رفض بوتو التوقيع على رسالة مقترحة الى الجنرال ضياء يطلب فيها العفو عنه مقابل الغاء حكم الاعدام الصادر بحقه، مفضلا أن يموت مظلوما على أن يعيش ذليلا، فارتقى في نفوس الناس الى مراتب عليا واكتسب بطولة أسطورية، بينما انحدرت سمعة ضياء الحق عالميا الي الحضيض، واكتسب لقب “ضياع الحق” في الأوساط العالمية، لكنه لم يكترث بتدني سمعته، بل واصل حكم الباكستان بقبضة حديدية معتمدا على تأييد الجيش وبعض القوى الدينية المتشددة، بالاضافة الى تحالفات دولية واقليمية. كانت بي نظير عند مقتل والدها في الرابعة والعشرين من عمرها، لكن تلك الحادثة الأليمة دون شك على نفسها قد قوّت عودها وعززت من تصميمها على الثأر لوالدها والسير على نهجه وتبوّء موقعه في قيادة حزب الشعب الباكستاني، ووضعتها في مركز الأحداث خصوصا وأن أخويها، مرتضى وشاه نواز، لم يكن لديهما اهتمام يذكر بالسياسة. لم تخفِ بي نظير فرحتها عند سماعها نبأ مقتل الجنرال ضياء بتحطم طائرته عام 1988 قائلة “من الصعب جدا أن أصدق أن الجنرال ضياء قد مات”. لقد كانت بي نظير حقا بنت أبيها الذي هيأها لخلافته واصطحبها معه في المهرجانات الانتخابية واللقاءات السياسية المهمة كلقائه التاريخي بزعيمة الهند انديرا غاندي، وحرص على تعليمها في أفضل الجامعات البريطانية والأمريكية. ربما كان بوتو يهدف من وراء تهيئة ابنته للزعامة السياسية الى تعزيز دور المرأة في المجتمع الاسلامي وهو أحد أهداف حزب الشعب الباكستاني ذي التوجه الليبرالي. تحلت بي نظير بصفات قيادية منذ الصغر، وكانت تتمتع بشعبية وقبول بين الطلبة في جامعة أكسفورد التي تخرجت منها، اذ اُنتُخِبت رئيسة لاتحاد الطلبة في الجامعة البريطانية العريقة، ومن النادر جدا أن يُنتخَب طالب أجنبي لرئاسة اتحاد الطلبة في أي جامعة بريطانية. حاولت بي نظير الموازنة بين الالتزام الديني والليبرالية الغربية، بين التقاليد الباكستانية الاسلامية وبين المفاهيم الغربية العلمانية، فهي تعلم أن لا مستقبل سياسيا لأي شخص في بلد اسلامي كالباكستان دون اظهار الحد الأدنى من الالتزام بالاسلام خصوصا في عصر ما يسمى بـ “الصحوة الاسلامية” الذي بدأ في أواخر السبعينيات مع انتصار الثورة الاسلامية في ايران. ومن هنا فقد ارتدت بي نظير غطاء الرأس الباكستاني التقليدي، وليس الحجاب الاسلامي المعروف، والملابس التقليدية الباكستانية بدلا من الملابس الغربية التي كانت ترتديها قبل عودتها الأولى الي بلادها عام 1988، كي تؤكد انتماءها الباكستاني. لقد أرادت أن تعوض عن الالتزام الديني الصارم الذي يمارسه خصومها، بالالتزام بالتقاليد الوطنية الباكستانية من ثقافة وزي واهتمامات وطريقة حياة بالاضافة الي التدين التقليدي. لكن نهجها السياسي بقي علمانيا ليبراليا، فهي ابنة الغرب ثقافة وتعليما، تماما كما كان أبوها، وما كتابها “ابنة الشرق” الا محاولة للدفاع عن نفسها وعن نهجها السياسي أمام هجمة التيارات الدينية التي تتهمها بموالاة الغرب، والتي رأت في قيادتها وشعبيتها تهديدا خطيرا لمستقبلها.

“التشيع ميزة لا نتذمر منها”

سألتُ بي نظير عن الأسس التي ترتكز عليها شعبيتها في الباكستان وكيف تمكنت، وهي امرأة علمانية ليبرالية شابة، من الفوز مرتين في الانتخابات العامة في مجتمع مسلم محافظ؟ أجابت أن أباها هو الذي أسس للشعبية التي يتمتع بها حزب الشعب وانها حافظت عليها بسبب سيرها على نهجه ووفائها لمبادئه ومحاولتها انصاف الناس بشكل عام والفقراء بشكل خاص من خلال اتباع سياسات تدر عليهم بالفائدة والسعي لتحسين ظروفهم المعيشية والخدمات العامة. وأضافت ان حزب الشعب له جذور في المجتمع الباكستاني وكان مؤسسوه يحلمون باقامة دولة حديثة قائمة على العدل وتكافؤ الفرص، بالاضافة الى أنه تأسس في فترة ليست ببعيدة من تأسيس الباكستان نفسها. وقالت ان المجتمع الباكستاني، على العكس من المجتمع العربي، لا يعارض تولي المرأة للمناصب السياسية والدليل هو توليها رئاسة الوزراء في الباكستان وتولي نساء أخريات الحكم في البلدان المجاورة مثل الهند وبنغلاديش وسريلانكا. سألتها أيضا عن سر تمكنها وأبيها وهم ينتمون الي الأقلية الشيعية في الباكستان من تزعم هذا البلد ذي الأغلبية السنية والذي يلعب فيه الدين دورا هاما في الحياة العامة والخاصة؟ فابتسمت وقالت ان معظم الشيعة في الباكستان يعتقدون أن عائلتنا شيعية لأن أبي يحمل اسما شيعيا، وهم يصوتون لنا على هذا الأساس، ونحن قد استفدنا من ذلك دون شك، “وليس لنا أن نتذمر من هذه الميزة” لكننا في الحقيقة من أهل السنة. ثم أضافت: “أمي “نصرت” ايرانية شيعية ومن هنا فانني ولدتُ متوازنة طائفيا ولا تهمني التفصيلات المذهبية بقدر ما يهمني جوهر الاسلام الذي يدعو الى العدل والانصاف وهذا ما أعمل جاهدة على تطبيقه مع باقي أعضاء حزب الشعب”. وقالت ان حزبها يحترم الاسلام بكل مذاهبه وهو جامع لكل الطوائف والأديان والطبقات رغم أنه يمثل بشكل عام الطبقة الوسطى المعتدلة وهم الأكثرية في البلاد حسب قولها.

لا كلل ولا ملل

وجدتُ في بي نظير انسانا متكاملا وزعيما جذابا وشخصية متواضعة رغم كل ما كانت عليه من ثقافة وتألق وكاريزما وجمال وثروة ونفوذ وسلطة سياسية ومعنوية. كانت بي نظير منفتحة أمام كل الأفكار وتستمع لكل من يتحدث اليها وتحاور دون كلل أو ملل. قالت لي انها تعيش في دبي لأنها تريد أن تبقي قريبة من بلدها وثقافتها بالاضافة الى أن دبي مدينة جميلة ومتكاملة اجتمعت فيها الثقافات الغربية والهندية والعربية والاسلامية، لكنها تطمح في العودة الي بلدها في أول فرصة كي تخدم شعبها. بي نظير أحبت الشرق وأرادت له الخير الذي يعم الغرب من خلال السير به في ذات الطريق التي قادت الغرب الي ما هو عليه من تقدم ورقي.

المد الاسلامي المتطرف

لم تخفِ بي نظير أن خطها السياسي يهدد من سمتهم بالمتطرفين اذ قالت ذلك صراحة قبيل عودتها الى بلادها في شهر أكتوبر الماضي، ولم تكن تجهل أن عودتها الي بلادها هذه المرة محفوفة بالمخاطر بعد تصاعد المد الاسلامي المتطرف، وان كان هناك من شك عندها فقد تبدد يوم 18/10 حينما استُهدِفتْ بانفجار عنيف قُتِل فيه مئة وأربعون شخصا على الأقل من أتباعها. لكنها واصلت حملتها الانتخابية بحماس وشجاعة قل نظيرهما. لم تخلُ حياة بي نظير من أخطاء ومصاعب، ولم تكن المشاكل التي تسبب بها أخواها وزوجها آصف علي زرداري، بالقليلة، خصوصا وأن زوجها أمضى في السجن ثماني سنوات، لكن بي نظير تغلبت عليها جميعا بفضل حنكتها وقدراتها السياسية المتميزة.

بي نظير التي لا نظير لها

اغتيلت بي نظير يوم 27 كانون الأول في ” لياقة باغ” أو “حديقة لياقة” في مدينة راولبندي شبه العسكرية، وهو عين المكان الذي اغتيل فيها أحد مؤسسي باكستان، رئيس الوزراء الأسبق لياقة علي خان عام 1951، وعلى بعد أمتار من المكان الذي شُنِق فيه أبوها ذو الفقار علي عام 1979. خصمها السياسي، نواز شريف، زعيم حزب الرابطة الاسلامية، والذي عمل ضدها طيلة حياته، زار قبرها بعد دفنها بيومين لاعلان تضامنه معها واستنكاره لاغتيالها. ربما أراد شريف من تلك الزيارة الاستفادة سياسيا، لكن زيارته في الوقت نفسه تدل على المكانة المرموقة لبي نظير في المجتمع الباكستاني. اغتيال بي نظير كان اغتيالا للديمقراطية والعلمانية، وكان اغتيالا للحلم الاسلامي بتقدم سريع نحو اقامة الدولة الحديثة، وكان تراجعا لقوى التقدم وانتصارا لقوى التشدد. وكان أيضا اغتيالا للدور القيادي للمرأة في العالم الاسلامي، فليس سهلا في مجتمعاتنا أن تبرز امرأة قيادية بقدرات بي نظير المتميزة وسلطتها المعنوية العالمية. حينما يهاجم المسلمون لسوء معاملتهم للمرأة، كان يُستشهد دائما بالدور القيادي لبي نظير في الباكستان، الدولة المسلمة الكبيرة التي انتَخبت امرأة لقيادتها مرتين. أما الآن فقد سُلب المسلمون المعتدلون هذه الحجة وانتصر المتطرفون عليهم مرة أخرى. الجوانب الأخرى للاغتيال أنه يكشف الخطورة التي يواجهها القادة المسلمون والشرقيون بشكل عام عند الاختلاط بشعوبهم. فقد اغتيل من قبلها رئيس وزراء الهند الأسبق، راجيف غاندي، أثناء حملته الانتخابية أيضا على أيد متطرفين تاميل. وكم من قائد أو مسئول عرّض حياته للخطر في بلداننا عند محاولته كسر الحواجز مع الناس والاختلاط بهم. انها حقا احدى معوقات الديمقراطية في الشرق. قد يتمكن حزب الشعب من استثمار التعاطف الشعبي الحالي معه بعد اغتيال زعيمته، وقد يفوز في الانتخابات المقبلة بأغلبية برلمانية تمكنه من حكم الباكستان، لكن التوجه الليبرالي العلماني الذي أسست له عائلة بوتو لن يستمر بنفس الحماس والقوة بعد مقتل كل أفراد هذه العائلة المؤسِسة. لن يستطيع ابنها، بي لاوال، ذي التسعة عشر عاما أن يملأ الفراغ الذي خلفته أمه، ولن يستطيع أي فرد من قيادات الحزب الحاليين أن يتبوأ موقعها في قلوب الباكستانيين. انها بي نظير التي لا نظير لها كما يشير الى ذلك اسمها.

 

 

Azzaman International Newspaper – Issue 2896 – Date 21/1/2008
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 2896 – التاريخ 21/1/2008
AZP07

http://www.azzaman.com/azzaman/ftp/articles/2008/01/01-20/777.htm