عابر حدود للروائي حميد الكفائي.. ثنائية الحداثة والتقليد مرة أخرى

 عقيل عباس

صحيفة الصباح البغدادية 25/2/2015  

 “هناك في بلاد الشمس والماء والخصب ، بلاد النخيل والرز والقمح، ارض بابل وسومر وأكد  وأور والوركاء يُولد الابناء والبنات على بركة الله ويحيون ويتزوجون وينجبون على بركة الله.” (ص ٩) بمثل هذا الوضوح الصادم تستهل رواية “عابر حدود” للكاتب حميد الكفائي، وصف مشهد الحياة في الريف العراقي الجنوبي، وهي تستقصي تقاليده وتحدياته وآفاقه. “على بركة الله” تلك العبارة المعتادة التي تتردد عراقياً كثيراً على نحو اوتوماتيكي تقريباً، تتحول الى لحظة كشف روائي يستهلها النص ليؤشر عبرها الهاجس الرئيس الذي يحرك الرواية وشخوصها واحداثها.

 انه التقليد، ذلك الاعتياد التلقائي على حكمة التكرار عبر الزمن وعمق الاطمئنان المصاحب له، الذي يستنطقه النص بجرأة لافتة  من خلال الغوص في تفاصيله الكثيرة والمتشعبة التي تكتسبه قوة القانون غير المعلن، القانون الذي يبدو “طبيعياً” وعبره تتشكل هويات الشخصيات وعلاقاتها ببعضها الآخر. في اجواء الرواية تهيمن التقاليد على شكل الحياة وافعال الناس وحتى طريقة تعاطيهم مع الخسارات التي يتكبدونها بسبب اتباعهم لها.

احداث الرواية

 ”عابر حدود”  نص حذر عندما لا يعترض على التقليد لمجرد كونه تقليداً، بل يُقر مبكراً ان جوانب من التقليد تمنح ايقاع الحياة في ريف الرميثة، إذ يدور القسم الاعظم من احداث الرواية، سحراً رومانسياً دافئاً فمع “بزوغ شمس كل صباح، تُقرع دقات (الهاون) في مضيف السيد علي المارد في ميمونة في الرميثة ,حيث تُطحن حبوب البن بعد تحميصها على الجمر في (المقلاة) المخصصة لهذا الغرض، ثم تُصنع منها قهوة ممزوجة بحبيبات الهيل المعطرة وتقدم حارةً فواحةً الى  رُواد المضيف. ودقات الهاون هذه التي تخرق صمت الحقول والبساتين متفوقةَ على اصوات الطيور والماشية منسجمةً مع هدوء الطبيعة، مسموعةً على مسافات بعيدة في القرى المجاورة، تُعتبر ايذاناَ بفتح المضيف ابوابه لرواده، ودعوة لكل من يسمع هذه الدقات المنطلقة الى عنان السماء.” (ص ١٠ ) يتعمق تأكيد النص على ايجابية التقليد في حياة ريف اعتاد على نسخته المحلية من التكافل وتحمل المشاق معاً من اجل صالح عام “بعد ذهابه (السيد علي المارد) تولى ابنه  الأصغر ناصر تنظيم “العونة” لكري الأنهار والمبازل في ميمونة استعدادا لدر خطر الفيضان عنها. وفي “العونة” يجتمع الجميع مع أدوات الكري والحفر والقطع من مساح ومناجل ومبارد و مناشير وأدوات اخرى ويعملون لإنجاز مشروع جماعي كبير” (ص ١٦).

التقليد الذي يعترض عليه “عابر حدود” هو ذلك الذي يسلب الانسان حقه في التفكير المستقل  ويجبره على ان يكون جزءاً متجانساً مع بيئة اجتماعية عليه ان يخضع لقراراتها وقيمها دون اعتراض او تشكيك. انه الانصياع لقوة التقليد ونتائج هذا الانصياع الكارثية بامتداداته الواسعة وتأثيراته العميقة في الروح والجسد، ما يشغل معظم صفحات الرواية. تتناول “عابر حدود” على مدى صفحاتها المئة والتسعين قصة ثلاثة اجيال من اخوة في عائلة واحدة  (المارد)، علي وهادي وحسن، الذين يعيشون حيوات مختلفة عن احدهم الآخر، لكن رغم اختلافها، فانها تقع ضمن ما هو تقليدي ومألوف لعائلة وجهاء من “السادة” تتوزع انشغالاتها الحياتية بين مشيخة العشيرة والطموح السياسي والنجاح الاجتماعي والمادي. تتشابك مسارات ابناء واحفاد هؤلاء الاخوة الثلاثة وأقارب آخرين لهم، بنين وبنات، عبر علاقات زواج وتصاهر وتعاون تشكلت على اساس التقاليد. بعض هذه العلاقات آلت الى فشل ذريع عبر الطلاق واحاسيس الكراهية كما في زواج يوسف ومنتهى، فيما نتج عن الاخرى حالات نجاح غير تقليدية كما في الزوجة “حليمة” غير المتعلمة دراسياً، برغم نضجها الاجتماعي والانساني، التي تتولى تثقيف زوجها المحدود والممل “ناصر” لتصنع منه شخصاً مهماً وناجحاً في محيطه الاجتماعي. لكن قوة التقليد الذي يتحكم  بسير احداث الرواية وتفاصيل شخوصها يواجه ايضا بتحديات الرفض والتشكيك كما في  تساؤلات شخصية مليئة بالحيوية الفكرية التلقائية مثل عارف الجاسر الذي يدخل مراراً في منطقة المحرم الاجتماعي والديني عبر اثارته  امام السيد حسن المارد وغيره أسئلة جريئة بلغة بسيطة عن معنى الاتباع الديني وضرورة الانتماء المذهبي وماهية العدالة الانسانية التي يبدو له ان الاعراف الاجتماعية والدينية تقوضها باستمرار.

المألوف الاجتماعي

هناك شخصية برزان الحمدان التي تخرق المألوف الاجتماعي الريفي بجرأة فهو “يساعد زوجته في تحضير الطعام احيانا وفي الاعمال المنزلية دون ان يكترث لما يقوله الآخرون من حوله” حتى برغم الازدراء الاجتماعي الذي يُقابل به (ص ٣٩). على نحو ما، تمثل هذه الشخصيات الهاجس الآخر الذي تشتغل عليه الراوية ويمكن اعتبارهاً معادلاً موضوعياً لهيمنة التقليد والمألوف على حياة المكان والشخصيات التي تستوطنه. انه هاجس الحداثة التي تطرق افكارها بشدة مفاصل مهمة في الرواية، ليس فقط عبر شخصيات كعارف وبرزان، بل ايضاً عبر لحظات وانتباهات مشككة بمنظومة القيم الاجتماعية الجائرة  تكتشفها شخصيات اخرى تقليدية عادة ً، مثل الاختين حليمة ومنتهى، لكن هذه اللحظات والانتباهات تبقى معزولة وتذوي سريعا دون ان تترسخ وتتحول الى موقف عام وسلوك شخصي متسق يخرج على هذه المنظومة على أساس واع وجريء. صالح يوسف، الذي حُرم من طفولة عادية، وابن منتهى التي عاشت ظلما هائلاً على يد زوجها القاسي والمجتمع الريفي الذي ينظر بريبة اخلاقية للمرأة المطلقة، هي الشخصية الوحيدة التي تمثل بروز الحداثة بشكلها الإنساني المتماسك. عبر تعلمه واكماله الدراسة الجامعية في بغداد ليصبح مهندساً زراعياً، يمر صالح بتجارب حب واكتشاف تخرق قوة التقاليد في مجتمعه الريفي المحدود، ويلتقي بنساء متحررات ومتعلمات مثل “هالة،” البنت الليبرالية التي تفاتح صالح بحبها له، وتعيش معه قصة حب غير معتادة، لكنها في آخر المطاف ترفض الزواج منه ليس لانها لاترغب به زوجاً، بل لانها تريد اكمال دراستها في الخارج وتحقيق ذاتها المهنية والانسانية اولاً قبل التفكير بالزواج. انها نمط نادر من النساء اللائي لا تدور حياتهن حول رجال،

كما حال نساء الرواية في الرميثة التي يتحدر منها صالح، بل بشأن اهداف مهنية وشخصية تتعلق بهن ككائنات مستقلة. تفتح تلك التجربة الصادمة عيني صالح على اشياء كثيرة تقوض قوة التقاليد ومعناها في روحه، ليصبح هو نفسه “عابر حدود” ليس فقط بالمعنى المادي عندما ينتقل جسدياً الى بغداد.

 وانما ايضاً بالمعنى القيمي والفكري عندما يجد نفسه مضطراً على ان يعيش بين منظومات قيمية مختلفة ليضطر هو في آخر المطاف الى ان “يعبر” احداها نحو الاخرى، بكل ما يعنيه فعل العبور هذا من احاسيس بالالم والوحدة والجهد والاثراء.

اخيراً، تنطوي “عابر حدود” ضمن شكلها الروائي على دراسة اجتماعية عميقة عبر سبرها أغوار عوالم ريفية مغرقة في رفضها لفردية الانسان وحريته لصالح قيم اجتماعية جمعية تهتم بحماية التقليدي والمألوف وتؤكد هيمنة المجموع على الفرد. اسلوب التناول الاجتماعي هذا، وان كان يخرج كثيراً على قواعد السرد الروائي المعتاد الذي يؤكد على الإظهار، بدلاً من الإخبار، ويتجنب لغة الصحافة وتقديم المعلومة التي يتقنها الكاتب ويستخدمها كثيراً عبر صفحات الرواية، فانه يضيء جانباً مهماً ومسكوتاً عنه، وربما غائباً عن وعي الكثيرين منا، بخصوص  التنوع في تجارب الحياة العراقية حد التناقض والتصارع احياناً. هكذا  يفتح حميد الكفائي امامنا  افقاً جديداً بشأن معرفة “آخرَنا” العراقي، ليجعل من “عابر حدود” وثيقة اجتماعية غنية من المهم التوقف عند مضامينها المتنوعة.

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=87549