الحياة، ٣ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٤ 

لا أدري إن كان سوء الحظ أو عدم القدرة أو انعدام الكفاءة هو الذي قادنا إلى ما نحن فيه من فوضى وعسر وتراجع، أم أننا في العراق اعتدنا منذ قديم الزمان على الجدل والعيش في جزر منفصلة عن بعضنا بعضاً. إن كان عيش كهذا ممكناً في السابق فإنه أصبح مستحيلاً في هذا العصر الذي يتطلب التعاون والتنازل والقبول بالآخر المختلف. إن الفرصة التي توافرت للعراقيين منذ 2003 لإقامة نظام ديموقراطي يؤسس لدولة القانون ويتعامل بمساواة مع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية وتوجهاتهم السياسية، كانت ثمينة وقد لا تتكرر إن هي ضاعت هذه المرة. 

ولو قارنا بين ما يحصل الآن وما كنا عليه عام 2010، فإن الفرق يبدو هائلاً. فقد كانت لدينا دولة تتمتع بالحد الأدنى من التماسك الاجتماعي والسياسي وفاعلية الأداء. كان الإرهاب والجريمة موجودين ولكن اليد العليا كانت للدولة، بينما كان الأمل، على رغم القلق، هو السائد. لكن ما يحصل الآن لا يسعد أي عراقي أو محب للعراق. فخروج أجزاء من العراق عن سلطة الدولة وانتقال السلطة فيها إلى مجموعة إرهابية تعتبر الأكثر تطرفاً حتى في نظر زعيم القاعدة أيمن الظواهري، يجب أن يجعل الجميع على إعادة حساباتهم والتفكير والتصرف بشكل مختلف.

لا شك في أن الوضع المأسوي الذي وصلنا إليه لم يأتِ صدفة بل حذر كثيرون منا من حصول شيء مقارب له، على رغم أن التنبؤ بسيطرة مجموعة إرهابية كداعش على مساحات شاسعة من العراق وسورية لم يكن ممكناً، ليس بسبب قوة الحكومة بل بسبب عدم قدرة هذه الجماعات على الحكم والإدارة أصلاً لأنها تسعى في الأساس إلى فرض رؤاها البدائية الهمجية على الآخرين وإلغائهم كلياً، بل حتى اجتثاثهم من جذورهم كما فعل تنظيم «داعش» في الموصل مع الإيزيديين والمسيحيين والشيعة ومعظم السنة. لقد حذر بعضنا من خطورة الوضع وطالب بأن يتخلى السياسيون عن مواقفهم المتطرفة ويقبلوا بحلول أدنى من توقعاتهم ويضحوا ببعض طموحاتهم الشخصية والحزبية من أجل تفادي الانهيار الكامل.

المشكلة الكبرى التي أضعفت النظام العراقي الحالي هي عدم التقيد بنتائج الانتخابات الماضية التي فازت بها القائمة العراقية برئاسة الدكتور أياد علاوي. إصرار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على البقاء في السلطة عام 2010 وتصوير الأمر وكأنه ضروري لبقاء العراق أضعف الثقة بالنظام السياسي كثيراً.

فما الفائدة من الفوز في الانتخابات إن كان الفائز لا يكلف بتشكيل الحكومة؟ كما أن مسايرة المحكمة الاتحادية لرغبة السيد المالكي في البقاء في السلطة قد قدمت دليلاً لكثيرين على أن القضاء ضعيف ومسيس. لقد استخدم الفرقاء السياسيون القضاء لمحاربة بعضهم بعضاً وليس غريباً أن تجد أن دعوى تقام ضد مسؤول في محكمة هنا تلغيها محكمة هناك، وأن قاضياً يصدر أمراً بحق شخص ليلغيه آخر بسهولة وأن يحكم على سياسي بالفساد أو الإرهاب لتسقط عنه تلك الأحكام. 

عندما تضعف ثقة الناس بالنظام السياسي، يسهل على أعداء النظام خصوصاً إن كانوا مسلحين ويعملون خارج القانون، أن يهاجموه ويلحقوا به أضراراً كبيرة لأنه لن يدافع عنه من فقدوا الثقة فيه، حتى وإن كانوا مستفيدين منه. الأحداث التي حصلت لاحقاً عززت انعدام الثقة هذا، خصوصاً اتهام نائب الرئيس طارق الهاشمي بالإرهاب ثم اضطراره إلى الهرب، وبعد ذلك ملاحقة أفراد حماية وزير المالية ثم استقالته من الحكومة وقيامه بتأجيج المعارضة في الانبار التي بقيت مستعرة من دون محاولة جدية لاستيعابها أو التعامل مع مطالبها. نعم كان بين المتظاهرين من لا يريدون سلاماً ولا نظاماً ولا ديموقراطية، خصوصاً من المتطرفين المتشدقين بالإسلام أو البعثيين الراغبين في العودة إلى الحكم، لكن فشل الحكومة السابقة في التعامل مع مطالب المحتجين قد عزز من موقف المتطرفين منهم وجعل آخرين ينضمون إليهم.

إصرار المالكي على البقاء لولاية ثالثة، هو الآخر خلق مشكلة لباقي القوى السياسية التي تريد تغييراً يطمئن الناس بجدوى النظام السياسي. لقد دفع مسعى المالكي هذا خصومه إلى حشد الجهود كلها، بما في ذلك عدم إقرار الموازنة وتعطيل الأعمال في البلد من أجل إعاقة الولاية الثالثة. لو كان المالكي قد طمأن الخصوم من أنه لا يعتزم الترشح لولاية ثالثة لكان قد وفر على نفسه وخصومه والبلد ككل تلك الجهود والخراب الذي نتج من الانسداد والتناحر السياسيين.

قد يقول قائل إن الديموقراطية تقتضي أن نقبل بمجيء أي شخص منتخب لولاية ثالثة باعتبار أن هذا هو خيار الشعب. وهذا الكلام صحيح نظرياً لكن السياسة فن الممكن وطالما تخلى زعماء منتخبون عن مواقعهم من أجل تسهيل شؤون البلاد، وقد حصل هذا في بريطانيا عام 2007 عندما تخلى توني بلير، المنتخب ثلاث مرات، عن السلطة لغوردون براون. كان في إمكان بلير أن يستمر في السلطة حتى 2010 حسب ولايته الانتخابية لكنه تخلى عنها من أجل بلده وحزبه. الطموحات الشخصية مشروعة ولكن يجب ألا تكون على حساب مستقبل الآخرين.

العراق الآن في حاجة إلى جهود استثنائية وتعاون دولي وإقليمي وتماسك وطني من أجل تخليص مدنه المغتصبة من سلطة الجماعات الإرهابية الغاشمة التي تعيث بها فساداً وتقتل المواطنين الأبرياء وتفرض رؤاها المتخلفة التي لا تمت إلى الإنسانية والحياة بصلة. وإضافة إلى هذه المهمة الصعبة هناك مسؤولية رعاية النازحين وتسيير شؤون البلاد وتوفير الخدمات وتحسينها وخفض البطالة وإعادة الثقة بالنظام ومؤسسات الدولة.

أداء رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي جيد حتى الآن، إذ اتخذ قرارات جريئة ومطلوبة لكن الطريق أمامه ما زال طويلاً وهو يحتاج إلى مؤازرة باقي القوى السياسية من أجل إنجاز المهام الصعبة التي تنتظره. صحيح أن الديموقراطية تتطلب معارضة ونقداً واحتجاجاً لكن الديموقراطية في زمن «داعش» تحتاج إلى تضامن وتكاتف وتضحيات وتنازلات من أجل أن يبقى العراق متماسكاً ومن أجل ان تكون الديموقراطية نظاماً عملياً يرعى مصالح الناس ويأخذ في الاعتبار المصاعب الجمة التي تعاني منها البلاد خصوصاً مع انخفاض أسعار النفط الذي يشكل 90 في المئة من موارد العراق.

هناك طموحات قومية وحزبية وشخصية مشروعة لكن الوقت يحتاج إلى تضحيات، فهل ترتقي الطبقة السياسية العراقية إلى تحديات العصر؟

http://alhayat.com/Opinion/Writers/5450454/الديموقراطية-العراقية-في-زمن-تنظيم-«الدولة»