الحياة، ٧ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٤ 

ساد العراق تفاؤل كبير بحكومة حيدر العبادي صاحبه ترحيب دولي وإقليمي بإمكانية حلها مشاكل العراق، باعتبارها ممثلة لجميع الكتل السياسية والمكونات العرقية والمذهبية، بل انها راعت التوزيع الجغرافي للمحافظات العراقية. فهناك وزراء من معظم تلك المحافظات، بل إن بعضها كالبصرة وكربلاء وبغداد وصلاح الدين والرمادي مثلها أكثر من وزير في الحكومة، إضافة إلى نوابها في البرلمان وأعضاء المجالس المحلية.

بعد هذا التفاؤل أثار البعض أخيراً مسألة «استياء اهل الجنوب» من حكومة العبادي بسبب القرارات الجريئة التي اتخذها كحل مكتب القائد العام للقوات المسلحة الذي شكله المالكي قبل سنوات، والذي أخذ العديد من الصلاحيات المناطة بوزيري الداخلية والدفاع، بينما اعتبره العبادي حلقة زائدة ومعرقلة لعمل الجيش وإقرار الأمن. وكذلك قرار وقف قصف المدن الذي تسبب في إيذاء المدنيين أكثر من إلحاقه خسائر بالجماعات الإرهابية. وليس هناك مستاؤون حقيقيون من هذه القرارات المهمة التي كان يطالب بها كثيرون، ولكن هناك من تنطلي عليه هذه التحليلات بسبب غياب المعلومات الحقيقية وكثرة الشائعات.

بعضهم ربط هذه الحركة المعادية للعبادي، وهي ظاهرة إعلامية أكثر منها حركة حقيقية موجودة على الأرض، برئيس الوزراء السابق ونائب رئيس الجمهورية الحالي، نوري المالكي، الذي يعتقد البعض أنه ما زال يفكر بالعودة إلى رئاسة الوزراء في المستقبل وأن أمله الوحيد بذلك هو تصوير العبادي على أنه «ليس شيعياً بما فيه الكفاية» وأنه لا يخدم مصالح الشيعة. هناك آخرون ايضاً يحاولون تحقيق مكاسب من خلال اللعب على العواطف المناطقية والادعاء بأن الجنوب أو البصرة تحديداً مهمشة وغير ممثلة تمثيلاً حقيقياً في الحكومة على رغم أن هناك وزيرين من البصرة في الحكومة، وهذا ما يحدث لأول مرة.

المالكي نفى أن يكون له أي دور في هذه الحملة المعادية للعبادي بل دعا أنصاره إلى عدم الاشتراك في أي عمل مناهض للحكومة، وقد مر يوم الثلاثين من أيلول (سبتمبر)، الذي أُعلن أنه سيشهد تظاهرات واسعة في بغداد ضد حكومة العبادي، من دون أي حصول هذه التظاهرات، ما يعني أن هذه الحملة صوتية فقط وتهدف إلى إثارة البلبلة وتشويه سمعة العبادي وتقليص شعبيته المتزايدة في كل أنحاء العراق بسبب سياساته العقلانية وتمكنه من إقناع قادة المكونات العراقية بالتعاون من أجل إنجاح عمل الحكومة وتعزيز سلطة الدولة المركزية التي سيكون للجميع سهم من مكاسبها. لا يبدو دعم المالكي للعبادي كافياً وهو بحاجة لتقديم المزيد وإسناد خلفه بقوة كما حصل هو على الدعم الكامل أثناء فترة حكمه.

وعلى رغم النجاحات العديدة التي حققها العبادي على المستوى الوطني والدولي إلا أن طاقمه ما زال ضعيفاً. فليس هناك فريق قدير يوضح سياسة الحكومة للشعب العراقي الذي بقي يتلقى الشائعات من دون أي رد عليها. فهناك من أشاع قبل أيام أن حادثة الصقلاوية التي راح ضحيتها نحو ثلاثمئة جندي عراقي على أيدي الجماعات الإرهابية قد نتجت من قرار العبادي وقف القصف على المدن! وملاحقة الجماعات الإرهابية التي تختبئ في الأحياء السكنية، لكن الحقيقة أن منطقة الصقلاوية لم تكن أصلاً مشمولة بقرار وقف القصف لأنها منطقة عسكرية وتتمركز فيها قطعات من الجيش العراقي وعمل القوة الجوية الأساسي هو إسناد الجيش أينما يكون، لكن الذي حصل هو أن القادة العسكريين المعنيين فشلوا في إنقاذ الجنود أو إمدادهم بالمؤن والسلاح. وقد أحال العبادي المقصرين إلى التحقيق، بينما أحال عدداً آخر على التقاعد، سواء من المسؤولين عن حادثة الصقلاوية أو معسكر سبايكر التي راح ضحيتها ١٧٠٠ جندي.

من المآخذ على حكومة المالكي السابقة أنها لم تتخذ أي إجراء عقابي بحق القادة العسكريين الفاشلين الذين تسبب إهمالهم في قتل جماعي للجنود، وقد عالج العبادي هذا الخلل أخيراً لكن طاقمه الاستشاري والإعلامي لم يتمكن من تحويل هذا الإنجاز وغيره إلى مكاسب يعرفها الناس ويشعرون بها.

من الخطأ ان يعتقد العبادي أن نجاحاته ستتحدث عن نفسها من دون جهد حثيث من طاقم متخصص وقدير، فهناك حدود لذلك في بيئة تحفل بالاختلافات والتناقضات الحادة كالساحة العراقية. منافسوه يعملون دون كلل على إضعاف حكومته، وإسقاطها إن أمكن، وليس المقصود هنا شخصاً محدداً بل كل الطامحين في المناصب العليا وما أكثرَهم (فقومي رؤوسٌ كلُّهم…) كما قال الشاعر علي الشرقي. لذلك فإن على العبادي أن يعلم أنه كلما حقق إنجازات معينة فإن حملة منافسيه غير المنصفين ستشتد عليه، يُضاف إلى ذلك مناهضوه من المتشددين وأتباع النظام السابق، لذلك فهو بحاجة إلى السرعة في تشكيل طاقم إداري كفوء ومخلص ومعرفة القادة العسكريين والأمنيين الأكْفاء الذين لا يوالون أحداً غير الوطن والضمير المهني.

الدكتور العبادي سياسي حذِر ومتأنٍ ولا يتخذ قراراتِه من دون استشارات مستفيضة ودراسة شاملة لاحتمالاتها الإيجابية والسلبية، ولا غرابة في أسلوب العمل، هذا فالرجل خَبَرَ العمل السياسي لأربعة عقود وواكب بعض أكثر السياسيين حنكة وتعلم من أخطاء من سبقوه، وقد اكسبه ذلك معرفة وخبرة معمقتين تحتِّمان عليه التشاور والتأني والسير بخطوات واثقة. غير أن الحالة العراقية الملحة تحتاج إلى السرعة خصوصاً في ترتيب إدارته واختيار من تبقى من وزرائه ومساعديه وإلا فإنه قد يخسر فرصاً ثمينة لن يستطيع تعويضها لاحقاً.

من الضروري جداً ألا يعود إلى البرلمان بالأسماء نفسها التي رُفِضت في السابق لأنه إن فشل مرة أخرى في كسب الثقة لمرشحيه فإنه سيتضرر سياسياً. عُقَد الوزارات الأمنية يجب أن تُحَل وعليه أن يُسْرع في اختيار مرشحين يحظون بالحد الأدنى من التأييد ولا يخيفون الآخر لأي سبب كان مع الاعتراف بأن إرضاء جميع الكتل غايةٌ لا تُدرك. تأخُّر التحاق الكرد بالحكومة أضر بها ومن الضروري أن يلتحقوا بسرعة كي تبدأ عملها بقوة.

العبادي يخطو بثقة ويكسب الأصدقاء في الداخل والخارج لكنه بحاجة أيضاً إلى السرعة التي تحمل معها من دون شك مخاطر الخطأ. إنه سيف ذو حدين لكن حد التباطؤ ربما كان أمضى وأكثر ضرراً في هذه المرحلة.


http://alhayat.com/Opinion/Writers/4923472/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D8%B6%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B0%D8%B1