الحياة، ٢ يوليو/ تموز ٢٠١٤ 

عراق ما بعد الموصل سيكون مختلفاً، هذا ما يعتقده معظم العراقيين الآن على رغم اختلاف الأسباب والمواقف السياسية، وهو بالتأكيد ليس تكراراً لما قاله السيد مسعود البارزاني قبل أيام عندما أشار إلى أن إقليم كردستان لن يعود إلى ما قبل العاشر من حزيران (يونيو). غير أن باقي العراقيين يأملون أن يتعلم قادتهم السياسيون من هذا الدرس، ما يغير الأوضاع في العراق جذرياً نحو الأفضل.

ما يقال من أن هناك «ثورة سنّية» تستعر في العراق ليس واقعياً على رغم استياء كثيرين من أبناء هذه الطائفة من أداء الحكومة وشعورهم بالتهميش والإقصاء. وباستثناء الموصل وحكومتها التي تلاشت ليلة 10 حزيران على طريقة «فص ملح وذاب»، فإن حكومتي المحافظتين السُّنيتين الأخريين، صلاح الدين والأنبار، ومجلسي المحافظتين وقواهما الأمنية والكثير من عشائرهما يساندون الحكومة ضد الجماعات المسلحة، وهذا هو سبب عدم تمكن الاخيرة من السيطرة على المحافظتين كلياً، على رغم محاولاتها المتكررة، باستثناء مدينتي تكريت والفلوجة، المهمتين من دون شك. 

محافظا صلاح الدين والأنبار المُنتخبان، أحمد عبدالله الجبوري وأحمد خلف الدليمي، لا يألوان جهداً ولا يفوّتان فرصة في التعبير عن انسجامهما مع الحكومة وقوى الجيش والشرطة وهما يطالبان بإرسال المزيد من القطعات لمحاربة الجماعات المسلحة في المحافظتين.

كما لا يبدو أن أبناء الطائفة السُّنية في العاصمة بغداد ومحافظات الجنوب يعتزمون التمرد على الدولة أو القيام بأي عمل مسلح حتى من قبيل العصيان المدني، بل إن كثيرين منهم، حتى رجال الدين، يقفون ضد الجماعات المسلحة خصوصاً تنظيم «داعش»، ولا يخشون وجودهم بين الشيعة.

لا شك في أن السيد نوري المالكي قد خلق خصوماً كثيرين في العراق وخارجه خلال سني حكمه الثماني الماضية، وهؤلاء الخصوم ليسوا بالضرورة من طائفة واحدة، لكنه في الوقت نفسه خلق ملايين الأتباع والمؤيدين كما بينت الانتخابات الأخيرة، على رغم الإخفاقات الكثيرة التي تخللها حكمه والتي يحلو لخصومه أن يحمِّلوه إياها منفرداً على رغم أنهم مسؤولون أيضاً.

لقد كان عدد مقاعد حزب المالكي في البرلمان عند توليه السلطة في أيار (مايو) ٢٠٠٦، ٢٥ مقعداً فقط. أما اليوم، فإن عدد مقاعد الكتلة التي يقودها والكتل المتحالفة معها يتجاوز ثلث مقاعد البرلمان البالغة ٣٢٨.

كان السيد المالكي قبل أحداث الموصل الأخيرة يأمل في ولاية ثالثة كي يحقق برنامجه الذي تعثر خلال السنوات الثماني الماضية لأسباب كثيرة منها عدم تجاوب منافسيه معه، لكن سقوط الموصل، ثاني أكبر مدينة عراقية بأيدي الجماعات المسلحة المتطرفة، غيّر أولوياته وأوليات خصومه أيضاً.

فالأكراد وجدوا في سقوط الموصل «فرصة» لتقرير المصير خصوصاً بعد استيلاء قوات البيشمركة على محافظة كركوك الغنية بالنفط والتي يطالبون بضمها الى إقليم كردستان منذ زمن بعيد ولكن من دون جدوى، لأنها منطقة مختلطة يقطنها، إلى جانب الأكراد، التركمان والعرب الذين يفضلون البقاء ضمن العراق.

مواقف السياسيين السُنّة المشاركين في العملية السياسية متفاوتة وموزعة بين رفض وإدانة حقيقيين لما حصل في الموصل وتصميم على استعادتها، وبين إدانة رسمية مع ترقب لما يمكن أن يحصل وكيفية الاستفادة منه وتحقيق مكاسب تأتي في مقدمها إقامة إقليم (أو أقاليم عدة) في المناطق السنّية تعطيهم مزيداً من الأموال والاستقلال في القرار.

أما الشيعة فيعتبرون سقوط الموصل «مؤامرة» خُطط لها في الخارج بهدف إضعاف العراق الجديد، وأن قيادة إقليم كردستان مساهِمة في هذه المؤامرة وداعمة لها بكل قوة لأنها المستفيد الوحيد منها باعتبار أنها تمكنت من السيطرة على المناطق «المتنازع عليها» وبدأت الآن تستعد لإعلان الدولة الكردية بدعم من تركيا ودول أخرى! وما عزز هذا الاعتقاد هو احتضان الإقليم قادة متشددين مطلوبين للقضاء العراقي. صحيح أن مواقف الكتل السياسية الشيعية ليست موحدة في الكثير من القضايا الأخرى، خصوصاً تجاه بقاء المالكي في السلطة، لكنها موحدة ضد الجماعات المسلحة التي تستهدفها جميعاً.

وهناك الآن تحشيد في الوسط والجنوب لدعم الجيش في استعادة الموصل وباقي المناطق التي سقطت بأيدي المسلحين. وقد تطوع ملايين الشباب للمساهمة في هذا الجهد الذي دعت إليه القوى السياسية والمرجعية الدينية على حد سواء. ثقة الشعب بالجيش اهتزت بعد الموصل وهناك حاجة لأن يحقق الجيش انتصارات كبيرة وسريعة كي يكسب ثقة الناس من جديد ويخفف من حدة الحشد الشعبي وكثافة التطوع والاستعداد للحرب.

لقد كسبت الجماعات المسلحة في الموصل ومن يساندها الكثير من الأسلحة التي خلَّفها الجيش المنسحب وراءه، وأموالاً قدرت بأربعمئة مليون دولار كانت مودعة في المصارف، وهذا يكفي لإمدادها بما يكفيها لمواصلة القتال لأشهر عدة وإدارة المناطق التي تسيطر عليها في حال فشل الجيش في استرجاعها.

وفي وقت كان يجب أن يتركز فيه الاهتمام على عقد البرلمان الجديد جلسته الأولى وانتخاب رئيس له ثم رئيس للجمهورية وتسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، فإن جل الاهتمام منصب على كيفية محاربة «داعش» والجماعات المسلحة التي تساندها لتخليص العراق من خطر التفكك والتدهور الأمني.

وما قاله البارزاني صحيح من أن عراق ما بعد 10 حزيران سيكون مختلفاً، وبغض النظر عما كان يقصده، فالعراق حقاً تغير وسيتغير أكثر في المستقبل ولكن من يدري، فقد يكون التغير نحو الأحسن لأن الكتل السياسية أدركت الآن أن اختلافاتها ليست في الحقيقة اختلافات سياسية طبيعية، بل هي خصومات دائمة تصل إلى حد التحالف مع الجماعات المتطرفة لإضعاف بعضها بعضاً. وهي لا تتعلق بأساليب وطبائع الأشخاص الذين يطالب البعض بتغييرهم، بل بأجندات ومصالح وثقافات مختلفة. لقد آن الأوان لأن يفكر العراقيون جدياً في الشراكة القائمة الآن وإن كان بقاؤها يخدم مصلحة أي منهم. الوضع الحالي السائد منذ تأسيس الدولة لا يخدم أحداً ويجب تغييره كلياً.

 

http://alhayat.com/Opinion/Writers/3340230/سقوط-الموصل-يفرض-تغييراً-جذرياً-في-العراق

http://www.elaph.com/Web/NewsPapers/2014/7/919316.html?entry=todaysarticle