لا أدري كيف ولماذا أصبحنا أصدقاء
فاهتماماتُنا مختلفة ومتباعدة
أنا بالسياسةِ والأدب
وهو بالرياضةِ والطب
أعمل في الإعلام
ويعملُ في الطب
أقرأُ وأنصت
ويشاهدُ ويتفرج
المشتركاتُ قليلة حين أعدُّها
لكن رابطا روحيا من نوع ما ربطني به
فكنا نلتقي
في بيتي وبيته
في الجِم والحدائق
في الحفلات الموسيقية والمحاضرات العامة
نذهب لتناول الطعام في مطعم
نخرج للنزهة في مكانٍ نتفق عليه
نلتقي في منزلِ صديقٍ مشترك
المشتركاتُ قليلة حين أُحصيها
لكننا كنا نتكلم طويلا ونضحك كثيرا
ونستمتع أيما استمتاع بصحبةِ بعضِنا البعض
لم نتشاجرْ أو نتخاصمْ يوما مذ التقينا
لديه أصدقاء من كل الأجناس والبلدان
من الهند والباكستان وبريطانيا واليونان والعراق وإيران
كنا نقيم الولائمَ لأصدقائي وأصدقائه معا
نلتقي ونتكلم ونضحك كثيرا
ونتبادل الطُرَف والأخبار
أصبح أصدقائي أصدقاءَه وأصدقاؤه أصدقائي
ظللتُ أبحثُ عن المشتركات فأجدها نادرة
لكنني دوما أجد الرابطَ الروحي أقوى
أحزن حينما يسافر
فأخذنا نسافرُ معا ما استطعنا
اهتمَّ بهواياتي واهتممتُ بهواياتِه
يحدثُني عن الرياضة وأحدِّثُه عن السياسة
أقرأ كتابا ممتعا فأهديه إياه
يقرأُه ويتصل بي لنتحدث عما سجلته ذاكرتُه الوقّادة من ملاحظات
عندما ابتعد عنه أبحث عما يذكِّرُني به
التقي بأصدقائه وأقاربِه ومعارفِه
أتابع نجاحاتِ فريقِه المفضل فأهنِّئه بفوزه
لا أؤمن بالغيبيات كثيرا لكن أمراً عجيباً حصل أخيرا
أمضيتُ أمسيةً جميلةً مع صديقين في بغداد
قلتُ لهما:
أكثر ما افتقدُ في بغداد هو فلان
افتقدُ صحبتَه ورفقتَه وطرائفَه
افتقدُ إنسانيتَه وكرمَه وبهجتَه
افتقد تفاؤلَه ومرحَه وأريحيتَه
افتقدُ تفقِّدَه الأبوي
سأل أحدُهما:
هل تفتقدُه أكثر من عائلتك؟
قلتُ نعم
وطفِقتُ أبيِّنُ الأسباب
وما أكثرَها رغم قلة المشتركات
ودَّعتُ صديقيَّ وعدتُ إلى المنزل
تلقيتُ مكالمةً من قريب
شعرتُ أن محدِّثي يريد أن يخبرَني أمراً لكنه متردد
فقد أصبحتُ خبيراً بهذه المواقف لتكرارِ حدوثِها
فجروحُ الأمسِ لم تندملْ بعدُ
بدا لي أن محدثي يخشى من وقعِ الخبرِ على مسامعي
لكنه استدركَ قائلا:
الكلُّ يعلمُ فلماذا تبقى وحيدا
عندها أخبرني
كان الخبر ثقيلا على كاهلي المتعب
شعرتُ بوطأتِه مع قدرتي على حمل الأثقال
فبدأتُ أرثي نفسي
لِمِ يا تُرى يتهاوى أصدقائي أمامي صرعى
أيُّ هدفٍ وأيُّ مبتغىً من وراءِ صداقاتِ تجلبُ الألمَ والحزن
ألم يكُن الأفضلُ أن أبقى دونَ صديق؟
أقرأُ وأكتبُ واتفرَّج؟
لِمَ كل هذا العذابِ وقليلٌ منه يكفي؟
فجاءَ الجوابُ من أعماقي
كلا
ساعةٌ مع صديقٍ حميم تصدُّ صدماتِ الدهر
ولفتةٌ نبيلةٌ منه تمحو همومَ السنين
وانتباهةٌ حصيفةٌ تخففُ وطأةَ الألمَ
صديقي نفسي
لا فرق
مع الأصدقاء تكثُرُ المباهجُ وترتقي الأحلام
وتزولُ الهمومُ وتُشحَذُ الهِمم
لكنها ليست بلا ثمن
حميد الكفائي
٥ أيار ٢٠١٤
