الجغرافيا نعمةٌ حيناً ونقمةٌ أحياناً…
غلوبل ووتش عربية: 4 سبتمبر/أيلول 2026
تنتفع بعض البلدان كثيراً من موقعها الجغرافي، لكن الجغرافيا وحدها لا تحقق نفعاً يُذكر ما لم تجد من يدرك قيمتها ويحسن استثمارها. الحكومات الكفؤة والمخلصة هي التي تنتبه إلى مزايا الجغرافيا، وتسعى لاستغلال الموارد والفرص التي توفرها لصالح الدولة والسكان. أما الحكومات غير الكفوءة، التي ينخرها الفساد وتنشغل بخدمة أفرادها وأتباعهم، فهي لعنة على أي بلد مهما كانت موارده الطبيعية هائلة.
كان قادة أرض الصومال من آخر من انتبهوا إلى ما يتيحه الموقع الجغرافي من فرص، إذ لم تحظَ المنطقة باعتراف دولي منذ إعلان انفصالها عن جمهورية الصومال عام 1991، إلى أن اعترفت بها إسرائيل أواخر العام الماضي، في خطوة عكست إدراكاً متزايداً لأهميتها الاستراتيجية.
البلدان العربية قاطعتها، رسمياً على الأقل، لا لشيء إلا لأنها “انشقت” على البلد الأم، وهو الصومال، الممزق المضطرب. نحن العرب نحب الوحدة ونتغنّى بها ونطرب لها، لأسباب تأريخية ونفسية ومعنوية، ولا نرى فيها ضرراً مطلقاً.
نعم الوحدة جميلة، ولكن يجب ألا تكون بالقسر والإكراه وألا تؤدي إلى الإفقار والتناحر. هناك أسباب مشروعة لرغبة بعض الشعوب والبلدان في الاستقلال، وهذه الأسباب لا تزول بمجرد إهمالها أو غض الطرف عنها أو التمني بغيابها.
عندما انفصلت (أرض الصومال) عن الدولة الأم، كانت لها أسبابها التاريخية والثقافية والقومية والاقتصادية، بالإضافة إلى الرغبة في أن تعود دولة مستقلة تدير شؤونها بنفسها. البَلَدان مختلفان تاريخياً وثقافياً، فأرض الصومال كانت مستعمرة بريطانية، بينما الصومال كانت مستعمرة إيطالية، وقد انضمت (أرض الصومال) طوعاً إلى الصومال عام 1960، وكانت حينها دولة مستقلة، ولكن بمرور الزمن، شعر أهلها بتهميش السلطة المركزية في مقديشو لهم، وممارسة العنف مع أكبر قبيلة فيها، وهي قبيلة إسحاق، فقرر قادتها نقض اتفاق الوحدة مع الصومال عام 1991 بعد الإطاحة بنظام محمد سياد بري، خصوصاً مع انتشار العنف والفوضى.
كان على الجامعة العربية حينها أن تقود المشهد، وأن تدرس المشكلة، مع الأخذ بنظر الاعتبار حق (أرض الصومال) باستعادة استقلالها، إذ لم تقدم لها الوحدة سوى التهميش والاضطهاد، ثم توصي الدول العربية بالاعتراف بالدولة الجديدة، خصوصاً مع استحالة إقناع قادتها بالبقاء في دولة مفككة تعمُّها الفوضى وأعمال العنف. لكن هذا لم يحصل، بسبب نفور العرب من فكرة الانفصال عموماً، وميلهم الفطري نحو الوحدة.
الآن، وبسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي المميز، وقربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، الذي صار الحوثيون يهددونه عندما يحلو لهم، أو تأمرهم إيران بذلك، قررت إسرائيل الاعتراف بدولة أرض الصومال، ولا شك أن دولاً أخرى، خصوصاً إثيوبيا، التي لا تملك منفذاً بحرياً، ستسلك الطريق نفسه وتستعين بأرض الصومال بالإضافة إلى جيبوتي للنفاذ إلى البحر الأحمر.
وتطرح أرض الصومال الآن نفسها كلاعب مهم لضمان الملاحة في البحر الأحمر ومساهم في محاربة الإرهاب والقرصنة وحماية السفن التجارية المارة عبر باب المندب. وأعلن رئيسها عبد الرحمن محمد عبد الله أن بلاده مستعدة لاستضافة القواعد العسكرية الأجنبية، وأن بلده أكثر أهلية من جيبوتي لأن يكون شريكاً تجارياً وأمنياً للدول الأخرى.
وتستفيد جيبوتي، هي الأخرى، من موقعها الجغرافي المطل على باب المندب، ولأنها دولة مستقلة، خلافاً لأرض الصومال، فقد عقدت اتفاقيات مع كل من أمريكا والصين وفرنسا وإيطاليا واليابان، لإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها. وتقدر الأموال التي تحصل عليها جيبوتي من استضافة هذه القواعد بحوالي 300 مليون دولار سنوياً، هذا بالإضافة إلى الاستثمارات التي تجلبها هذه الدول إلى البلد، التي تدر أرباحاً مجزية.
ومقابل نعمة الموقع الاستراتيجي هذا، فإن مواقع بعض الدول جلبت عليها المصائب. العراق مثلاً، صار عبر العصور ساحة للحروب بين الامبراطوريات المحيطة به، الفارسية والآسيوية من الشرق، والعثمانية والأوروبية من الشمال والإغريقية والرومانية من الغرب، ولذلك لم يستقر هذا البلد الغني بالموارد الطبيعية والبشرية إلا في فترات محددة.
يعيش العراق الآن مأزق الهوية بسبب هذه التجاذبات، يميناً وشمالاً، ومأزق الفقر الذي يعانيه ثلث سكانه البالغ عددهم 46 مليوناً، نتيجة للتبعية وعدم الاستقرار الذي تجلبه عليه التنافسات الإقليمية والدولية، ومأزق الخلافات والانقسامات الدينية والمذهبية والقومية التي تغذيها جماعات تهدف إلى البقاء في السلطة بأي ثمن.
لم يستطع العراق أن يصدر نفطه منذ ستة أشهر، بسبب إغلاق إيران مضيق هرمز بسبب صراعها مع أمريكا، وهو الآن يواجه مستقبلاً غامضاً يهدد بفوضى عارمة، فالنفط هو الإيراد الوحيد للدولة العراقية، الذي يمول قطاعها العام كبير الحجم.
الدول الأخرى التي جلب عليها موقعها الجغرافي المصائب هي تلك المحيطة بروسيا، بسبب الطموح الروسي، المماثل للطموح الفارسي، في الهيمنة وتشكيل امبراطورية عظمى على حساب الدول الأخرى. أوكرانيا تصارع منذ 12 عاماً من أجل البقاء، إذ خسرت شبه جزيرة القرم عام 2014، وتخوض حرباً ضروساً ضد روسيا منذ أربع سنوات ونصف، تسببت في قتل أبنائها وتدمير بُناها الأساسية.
ويجب التذكير أن تخلي أوكرانيا عن سلاحها النووي في مذكرة بودابست لعام 1994، إذ كانت القوة النووية الثالثة في العالم بعد روسيا وأمريكا، قد جلب عليها هذه الأخطار التي تحيط بها حالياً. لو كانت قد أبقت على سلاحها النووي، لما تجرأت روسيا على المساس بسيادتها.
الطموحات الإمبراطورية لبعض الأنظمة صارت وبالاً على الدول المجاورة، ولا حل لدول العالم إلا بتشكيل التحالفات والتعاون الأمني والدفاع المشترك. حلف الناتو حقق السلام في أوروبا لثمانين عاماً، لكنه الآن مهتز وقد تنسحب منه أمريكا، ما يعني أن أوروبا ستشكل حلفاً أوروبياً وتستغني عن التحالف مع أمريكا.
منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى حلف استراتيجي يدرأ عنها الأخطار المحدقة بها، وقد برهنت الحرب الأخيرة بين طهران وواشنطن، أنها ليست في مأمن عند اندلاع الحروب، فلم تسلم دول المنطقة من الضربات العسكرية الإيرانية التي عبرت البحر الأحمر إلى مصر. القوة وحدها يمكن أن تحمي البلدان العربية من الأخطار الخارجية، والقوة تأتي من التحالف والتعاون والعمل المشترك.
حميد الكِفائي
https://global-watch-arabia.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%ba%d8%b1%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a7-%d9%86%d8%b9%d9%85%d8%a9%d9%8c-%d8%ad%d9%8a%d9%86%d8%a7%d9%8b-%d9%88%d9%86%d9%82%d9%85%d8%a9%d9%8c-%d8%a3%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a7%d9%8b/