الاستِلال كالاحتِلال يا كُتّاب “الذكاء الاصطناعي”!

  غلوبل ووتش عربية 14 آب/أوغسطس 2026

 برز لدينا خلال السنوات القليلة الماضية نوع جديد من الكُتّاب هم “المُستلّون موادَّهم من معين الذكاء الاصطناعي”، وهؤلاء يستلّون مواداً من الإنترنت ويذيلونها بأسمائهم وينشرونها في الصحف والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل على أنها من إبداعهم ومن بنات أفكارهم.

هذه المقالات، أو الأبحاث، لا يحدّها موضوع، فالكاتب المستعين بـ”الذكاء الاصطناعي”، تقمّص دور الخبير في الاقتصاد والعلوم السياسية والأدب والتاريخ والجغرافية وعلوم الفضاء والفلسفة واللاهوت، ومن يدري، فأفراد هذا الجمع المتزايد عدداً كل يوم، قد يدخلون مجالات علمية أخرى، وقد تخبّئ لنا الأيام المقبلة “ما لم يستطِعْه الأوائل”. 

أحدهم كان إلى عهد قريب لا يستطيع أن يكمل جملة واحدة دون أخطاء إملائية ونحوية فاضحة، لكنه بقدرة قادر صار “كاتباً رصينا!” يُدبِّج المقالات المتماسكة (بالمقارنة مع ما كان يكتبه سابقاً)، التي تضم معلومات تقترب من الدقة أو تبدو دقيقة، مع أنها تبقى ضعيفة ومهلهلة أحياناً، لأن “كاتبها” لا يفهمها فهماً عميقاً، بل وغير قادر حتى على ترتيبها ترتيباً منطقياً.

كُويتب آخر صار فجأة خبيراً اقتصادياً وأخذ يضخ المواضيع المدرسية المستلة من معين “الذكاء الاصطناعي” ويرسلها إلى عموم الناس متسلحاً بوهم الجهل، بأن الآخرين قد فقدوا الذاكرة، ونسوا أنه بليد ومتنطع وفاشل في الدراسة، وأنهم غير قادرين على فحص أصل مواده. لذلك، فإنهم عندما يقرأون مقالاته سوف يُعلون مقامَه ويعتبرونه عبقرياً.

ومن أغرب المنضمين إلى جحافل الاستلال المظفرة، وزيرة التعليم البريطانية لوسي باول! نعم وزيرة التعليم بكامل هيبتها وأبَّهَتها وعلو شأنها. فقد كتبت مقالاً في جريدة “التايمز” عن مشاكل التعليم في بريطانيا، واتضح أن 75% من مادة المقال مُسْتَلَّة من معين “الذكاء الاصطناعي”، بحسب ما صرحت به الصحفية مادلين غرانت، نائبة رئيس تحرير مجلة “سبكتيتور” الناقدة المعروفة!

لا شك أن السيدة باول، وهي سياسية محترمة، وتتبوأ، بالإضافة إلى وزارة التعليم المهمة، منصب نائب زعيم حزب العمال ورئيس الوزراء، أندرو بورنم، لم تلجأ هي شخصياً إلى الذكاء الاصطناعي من أجل كتابة المقال، فهي سياسية قديرة. لكن الذي حصل على الأرجح، أن أحد مساعديها الكُسالى، توهم بأن لا أحد سينتبه ويدقق وراءه، فاستسهل استلال المادة ولصقها في مقال وقدمها للسيدة الوزيرة كي تنشره باسمها، ولا شك بأنه سوف يحاسب على فعلته هذه التي أحرجت الوزيرة.

لكن اللجوء إلى معين الذكاء الاصطناعي لتدبيج المقالات أو كتابة الأبحاث والمؤلفات هو أمر في غاية البلادة. أولاً، لأنه سهْلُ الاكتشاف، فمجرد أن تضع المادة في برنامج “فاحص المواد” سوف تعرف خلال ثوانٍ معدودة إنْ كانت مسروقة أم أصلية. وثانياً، ما الهدف من السطو على مواد أبدعها غيرُك لتضع اسمَك عليها؟ ألا تشعر بالخجل من نفسك، أيها المُستَل، أنك سرقت أفكار الآخرين وجهودهم وادعيتها لنفسك دون وجه حق، ودون الإشارة إلى المصدر؟ ثم ألا تفكر بأن هذه المواد متاحة للجميع وقد يأخذها أمثالك ويضعون أسماءهم عليها أيضاً، وبذلك يتكرر المقال الواحد بأسماء كثيرة؟

الإبداع جهد شخصي، وادعاؤه من غير أصحابه اعتداءٌ صارخ وجبان، بل ومؤلم في الوقت نفسه، على المبدع أو صاحب الأصل، واستهانة بذكاء القرّاء الذين صاروا يميزون منذ الدقيقة الأولى إنْ كان المقال مستلاً من “الذكاء الاصطناعي” أم لا. ولا شك أن سارق الجَهد لا يستطيع، مهما اجتهد، إخفاءَ ضعفِه وجهله وإقناعَ الذين تصدى لخداعهم، بأنه جدير بالمكانة التي تمناها عندما أقدم على سرقة جهود الآخرين. فلو كان ذكياً لما أقدم على فعلته تلك ابتداءً.   

والسطو على ممتلكات الآخرين الفكرية ليس جديداً، بل مورس منذ القدم، ويزخر تاريخنا العربي بالكتب التي فضحت سرقات الشعراء والأدباء من بعضهم البعض، لكن معين الإنترنت والذكاء الاصطناعي جعل من السهل على أي شخص، مهما كان تعليمه متدنياً، أن يصل إلى ما يريد من المعلومات، وهذا أمر محبذ إن كان سيعترف بمصادره، لكن المعيب هو ادعاء الفضل زوراً.

أتذكر ناشراً دأب على دس اسمه إلى جانب مؤلفي بعض الكتب التي ينشرها، بموافقة مؤلفيها طبعاً، مقابل أن ينشرها على حسابه، علماً أنه لا يبدو مثقفاً بما فيه الكفاية كي يكتب كتباً مهمة في مجالات متعددة. سألت أحد المؤلفين الذين وجدت اسم ذلك الناشر إلى جانب اسمه في كتاب، إن كان الناشر قد ساهم معه فعلاً في تأليف الكتاب المعني، فقال لي، إنه لم يقرأ مادة الكتاب حتى بعد نشرها! 

كما أتذكر أنني زرت معرضاً للكتاب مع صديق بحّاثة، قضى عمره في البحث والكتابة، فعثرنا على كتاب منشور باسم أحد الناشرين، الذي كان حاضراً في جناح دار نشره في المعرض. أخبرني صديقي البحّاثة أنه اطلع على مادة الكتاب المخطوطة قبل سنين أثناء بحثه في إحدى الجامعات، وكانت رسالة ماجستير لطالب في الجامعة في فترة مضى عليها عدة عقود.

لم يستطع صديقي أن يصمت إزاء هذه السرقة الاحترافية، فذهب وطرح الأمر على الناشر، قائلاً له إن هذه مادة لأطروحة ماجستير للطالب فلان الفلاني فكيف أخذتها وأعدت نشرها باسمك! فذُهِل الناشر وارتبك في بادئ الأمر، لأنه لم يكن يتوقع أن أحداً يمكن أن يعرف تفاصيل وتاريخ المادة واسم صاحبها، لأنها غير منشورة وقد كتبت منذ زمن بعيد. فقال، نعم ولكن أنا أيضاً بحثت الموضوع وكتبت هذا الكتاب ولم أسرق المادة! لم يكن تبريره مقنعاً، لأن المادة منقولة بكل تفاصيلها دون تغيير، فكيف تَوافَقَ أن باحثاً كتب مادةً وقد سبقه إلى كتابتها باحث آخر قبل 40 عاماً؟

إن توفُّر المعلومات والمواد العلمية في مواقع الإنترنت المتنوعة، وكذلك المواد الجاهزة التي يوفرها مَعين “الذكاء الاصطناعي”، يجب أن يكون فرصة للتعلم واكتساب المعرفة والشعور بالامتنان لأولئك الذين بذلوا الجَهد لتوفيرها، وليس حافزاً للطفيليين والمتطفلين والكسالى والمتنطعين كي يلعبوا دوراً هم ليسوا أهلاً له، وأن يسطوا على جهود غيرهم ويدّعوا ملكية ما ليس لهم. إنها سرقة لا غبار عليها، وعلى من يُقْدِم عليها أن يخجل منها. 

كثيرون في عالمنا المعاصر لا يتمتعون بحيوية الضمير بحيث أنهم يحترمون جهود الآخرين وأفكارهم، فيمتنعوا عن استغفال الناس وادعاء ما ليس لهم، لذلك تبرز الحاجة الماسة إلى تشريع قوانين تنظِّم استخدام المواد العلمية المتوفرة في الحيز العام، وتضبط تداول المعلومات المستلة من معين “الذكاء الاصطناعي”، كي لا تسمح بادعاء ملكيتها، وفي خلاف ذلك، سوف يختلط الحابل بالنابل ويصير السارق مجتهداً فاضلاً. 

ويزداد الأمر خطورة عندما يتعلق بالتعليم في مراحله المختلفة، لأن توفر المواد الجاهزة سوف يغري التلاميذ والطلاب والباحثين، أو بعضهم، بعدم بذل الجهد للحصول على المعلومات من مصادرها الأصلية، وعدم الإشارة إلى تلك المصادر في بحوثهم، الأمر الذي يقود إلى مجتمعات طفيلية تؤثر الكسل وتفتقر إلى الكفاءة والنزاهة.

حميد الكفائي

https://global-watch-arabia.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%90%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%90%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%a7-%d9%83%d9%8f%d8%aa%d9%91%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%a7/

photo attribution: medium.com
https://medium.com/gitbit/ai-is-stealing-peoples-brains-c5340cc380fe