لماذا تعثر تطور الدولة العصرية في مجتمعاتنا؟
غلوبُل وواتش عربية: 28 تموز/يوليو 2026
واجهت معظم الدول في العالم العربي والإسلامي، وفي بعض أنحاء العالم الثالث، عقبات وصعوبات جمة في إحداث نهضة اقتصادية وعلمية واجتماعية تنسجم مع التطورات الجارية في العالم المعاصر، وتعثرت في تطوير نُظُمِها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ومازال كثيرٌ منها يتعثر ويتخبط ويعاني.
بينما اصطدمت الدول التي اختارت نهجا أيديولوجيا ثوريا، سواء أكان دينيا أو فكريا، بصخرة العصر والنظام الدولي السائد، ودفعت الثمن غاليا، إما في عزل نفسها عن حركة التطور العالمية المتسارعة الخطى، أو الأسوأ، أنها جلبت على نفسها العقوبات الدولية أو دخلت في حروب عبثية تسببت في تدميرها وقتل أبنائها، ودفعتها لإنفاق أموالها على التسلح غير المجدي، بدلا من تطوير البنى الأساسية للدولة الحديثة.
العراق وإيران على سبيل المثال، تحاربا ثماني سنوات خلال عقد الثمانينيات، في حرب ضروس قُتل فيها ما يزيد على المليون إنسان، ودُمرت فيها البنى الأساسية للبلدين، وتلوثت البيئة وتعطل النمو والتطور وتدنى التعليم والصحة والثقافة والمستوى المعاشي، والنتيجة أنهما لم يحققا أيا من الأهداف التي كان نظاماهما يسعيان لتحقيقها، فلا العراق تمكن من استعادة شط العرب، الذي تنازل عنه طوعا في اتفاقية الجزائر، أو تحرير عربستان، ولا إيران تمكنت من إسقاط النظام العراقي وإقامة نظام “إسلامي” شبيه بنظامها.
ليبيا اتخذت لها أيديلوجية فريدة من نوعها في تأريخ البشرية، واعتنق قادتها أفكارا لا تمت للعالم المعاصر أو السالف بصلة. أرادت في البداية توحيد العرب ولم تستطِع، فكيف ببلد متواضع القدرات، كليبيا، أن يحقق هدفا مستحيلا كتوحيد (الأمة العربية) المترامية الأطراف، والتي لا يجمعها جامع سوى اللغة، التي تختلف في شرقها عن غربها، اختلافا صارخا.
وعندما فشل هذا المشروع، شرعت في مشروع آخر، أكثر غرابة، ألا وهو توحيد دول أفريقيا، التي لا يجمعها جامع سوى وقوعها في قارة أفريقيا! وقد فشلت فشلا مدوِّيا كما كان متوقعا. وفي هذا السبيل، الوحدة العربية والوحدة الافريقية ومحاربة الاستعمار والتفرد بنظام سياسي يختلف عن السائد في بقاع الأرض كافة، حجب النظام الليبي السابق المعلومات عن شعبه، وضيّق عليه الحريات، وكانت النتيجة أنه أتعب شعبه وبدد ثروته، وبقيت ليبيا تعاني التفكك والنزاع حتى بعد عقد ونصف من زواله.
أسباب تلكؤ تطور الدولة في المشرق ليست خافية على دراسي العلوم السياسية، أو ممارسي السياسة النابهين، بل إن رجل دين غير متخصص بعلوم السياسة، وهو الشيخ علي عبد الرازق، ذكرها قبل مئة عام في كتابه القيم “الإسلام وأصول الحكم”، قائلا إن حكام المسلمين أهملوا دراسة العلوم السياسية، لأنهم توهموا بأن تدريسها في بلدانهم سيدفع أفراد الشعب لأن ينافسوهم على الحكم، الأمر الذي تسبب في عدم رسوخ الدولة في المجتمعات الإسلامية.
لا شك أن هناك جهلا، بل استهانة، بالعلوم السياسية في عالمنا، لذلك لا يتردد أبسط الناس في إطلاق الآراء السياسية والتحليلات للأحداث والسياسات والقضايا المعقدة، التي تحتاج إلى بحوث معمقة وخبرة واسعة ومتابعة حثيثة، يضطلع بها متخصصون، كي يتمكن المرء من أن يتوصل إلى رأي سديد فيها.
عندما يستمع المطّلعون، ناهيك عن المتخصصين، إلى تصريحات أو أقوال بعض المشتغلين في السياسة في عالمنا، فإنهم يصابون بالإحباط، على أقل تقدير، لأن هؤلاء الذين يتبوؤون مناصب مهمة ويتخذون قرارات تتعلق بمصير ملايين الناس، غير ملمّين بجزئيات وتفاصيل الأحداث والسياسة، وأحيانا يجهلون حتى الأساسيات، لذلك لا يمكنهم قراءة الأحداث أو المواقف الدولية بشكل صحيح، فكيف يمكنهم أن يتخذوا القرارات أو يتبنوا السياسات التي تخدم بلدانهم؟ وقد أدى تصدي هؤلاء إلى إبقاء البلدان التي يقودونها قلقة ومتخلفة.
أثناء حضوري جانبا من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل عقدين تقريبا، سمعت أحد الزعماء يطلق تصريحا يفتقر إلى الدقة، وكان مستشاره (السياسي) يقف إلى جانبي، فقلت له إن ما قاله زعيمُك خاطئ وعليك تنبيهه، فبدا متفاجئا من قولي، وليس من تصريح زعيمه! وفي مؤتمر دولي، دعا أحد الوزراء المعنيين بالبيئة والغذاء إلى إقامة (محميات لصيد الأسماك)! ومن الواضح أن سيادة الوزير النحرير لا يعرف أن هدف (المحمية) هو حظر الصيد! أما وزير إعلام في إحدى الدول فقد ادعى أن فلاحا أسقط ببندقيته القديمة طائرة أوباتشي الأمريكية! وكما يقول أهل العراق (من هالمال حمل اجمال)!
البلدان التي انتهجت نهجا ثوريا أيديولوجيا، كالعراق وسوريا وليبيا واليمن، بقيت غير مستقرة طوال ما يقارب القرن من الزمن، ومازالت قلقة. مصر سارت في طريق الثورة والأيديولوجية لفترة قصيرة، لكن قادتها سرعان ما تعلموا الدروس وعرفوا كيف يديرون بلادهم، ويبعدونها عن الأزمات الدولية، فتبنوا خلال نصف القرن المنصرم، سياسة حكيمة قادت إلى الاستقرار وحققت قدرا من التطور والتنمية الاقتصادية.
أما البلدان التي انتهجت نهجا واقعيا في السياسة، وتبنت سياسات تخدم مصالح بلدانها، فتمكنت من تطوير بُناها الأساسية وتطوير التعليم والانفتاح على العالم وتنمية اقتصاداتها وربطها بالاقتصاد العالمي، فصارت دولا فاعلة ومهمة، والسبب أن حكامها اكتسبوا خبرة في السياسة والتعامل مع الأحداث العالمية وتبني السياسات التي تخدم مصالح بلدانهم، واستعانوا بخبراء في كل المجالات كي يضمنوا نجاعة سياساتهم ودقتها، وتأتي المغرب والأردن ودول الخليج العربي في طليعة هذه الدول التي حققت الاستقرار والتنمية وكسبت ثقة دول العالم المهمة.
السياسة علم وفن وتجربة ومشروع للتطور وخدمة الشعوب والتزام بتعزيز سلطة القانون وقوة الدولة وتطوير العلاقات الدولية، ومن لا يدرك هذه الأمور، وليس لديه مشروع وطني، والخبرة اللازمة لتنفيذه، لا يستطيع أن يخدم بلده والأفضل له أن يتنحّى قبل أن يُنحّى. إن تصدي المبتدئين وغير المتمرسين في السياسة، خصوصا من ذوي المشاريع الشخصية، لقيادة البلدان أمر خطير، يقود إلى كوارث مدمرة تطاول كل السكان، وقد تستمر تأثيراتها السلبية لعقود أو قرون، والعراق مثالا.
العسكري ورجل الدين وغير المتخصص وقليل الخبرة، لا يستطيع أن يدير المواقع السياسية بنجاح، وهذه من البديهيات الواضحة، وليس من قبيل الصدفة أن دول العالم المتقدمة تخلو من تولي هؤلاء مقاليد القيادة.
رجل الدين لديه مَهمة مقدسة، وهي تعليم الناس دينهم وتقديم النموذج لهم في الزهد والاستقامة، لذلك فإن انخراطه في السياسة يخل بهذه المَهمة، بل يسيء إليها. والعسكري لديه مَهمة مقدسة أخرى، وهي حماية البلاد من الأخطار الخارجية وتحقيق الأمن وفرض حكم القانون، وحماية النظام السياسي، لذلك فإن انخراطه في العمل السياسي يُخِل، بل يعرقل، أداء مَهَمَّتِه، الضرورية لاستقرار الدولة والمجتمع.
من الواضح أن رجل الدين، الممارِس للسياسة، هو في الحقيقة سياسي فاشل، وليس رجلَ دينٍ حقيقيا، لكنه يستخدم الدين كذريعة لتحقيق مكاسب سياسية، فهو يسعى لإخفاء فشله السياسي بإضفاء قدسية دينية على سلوكه. أما العسكري المنخرط في السياسة، فهو الآخر سياسي فاشل، لكنه يستخدم القوة العسكرية للوصول إلى المنصب، بينما العمل السياسي عمل سلمي مدني تخصصي، يهدف إلى خدمة الناس وليس السيطرة عليهم.
صحيح أن عسكريين في دول كثيرة تحولوا إلى سياسيين ناجحين، ولكنهم أتوا إلى السياسة في ظروف استثنائية، وقد حالفهم الحظ في النجاح ومنهم ونستن تشرشل وجورج واشنطن وشارل ديغول وخوان بيرون، ولا تخلو منطقتنا من نماذج مماثلة، فالعسكرة لا تُعيق المعرفة، سواء في السياسة أو في غيرها. نعم، بإمكان العسكري أو رجل الدين أن يصير سياسيا ناجحا، لكن عليه أن يتخلى عن العسكرة والمهمة الدينية، قبل الشروع في العمل السياسي. التدين إيمان شخصي بحت، وما يؤمن به فرد لا يمكن تعميمه على الآخرين، وكما قال الحلاج قبل ألف عام: (مالي وللناس يلحونني سفها — ديني لنفسي ودين الناس للناس)!
الدولة العصرية تتطلب أن يكون غالبية مواطنيها مطّلعين سياسيا وعارفين بشؤون دولهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كي يساهموا في دعم استقرارها وتحقيق المصلحة العامة وترشيد النظام السياسي ودعمه، لذلك صار ضروريا أن تُدرَّس علوم السياسة والاقتصاد في المدارس والجامعات من أجل أن يفهم المواطنون ما يجري حولهم ويساهموا في دعم دولتهم وأنظمتهم السياسية التي ارتضوها، عن علم ودراية، وليس عبر التعصب والعواطف الجياشة.
حميد الكفائي
https://global-watch-arabia.com/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d8%b9%d8%ab%d8%b1-%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85/