غلوبُل ووتش عربية: 15 تموز 2026

من الشعوب التي ما زالت تولي الشعر اهتماماً كبيراً الشعب الفارسي، إذ ما زال الإيرانيون يحفظون أشعار حافظ وسعدي والرومي والفردوسي، باعتبارهم، وفق إيرانيين، رموزاً وطنية ساهمت في الحد من “تعريب” إيران! إذ تأثرت الثقافة الفارسية تأثراً كبيراً بالثقافة العربية بعد فتح إيران في القرن السابع الميلادي. وتلي إيران في اتساع الاهتمام بالشعر أفغانستان وطاجيكستان.
وبين الدول العربية التي ما زال الشعر مهماً فيها موريتانيا، التي سميت “بلد المليون شاعر”، والصومال التي اكتسبت وصف “الأمة الشاعرة”. أما في العراق فقد احتل الشاعر مكانة مرموقة في المجتمع، كما اقترن الشعر فيه بالثقافة، وصار كل من يريد أن يُعترف به مثقفاً، ويشكل هؤلاء الغالبية بين المتعلمين، عليه أن يكتب شعراً، بغض النظر عن جودة هذا الشعر، أو حتى كونه شعراً ابتداءً، ويصدر ديواناً كي يصنفه الآخرون مثقفاً، ويولوه الأهمية والاحترام اللائقين بمقامه! رغم أن قرّاء الشعر والمهتمين به يتناقصون حتى في عالمنا العربي “الشاعري” (مع الاعتذار لسميّي الفنان حميد الشاعري)!
شخصياً اهتممت، كباقي أبناء جيلي، بالأدب، وكنت مشتركاً في معظم المجلات الأدبية، مثل (الناقد) و(أدب ونقد) و(الشعر) و(الاغتراب الأدبي) و(اللحظة الشعرية). وكنت اقتني دواوين الشعراء وأحفظ الشعر وأقرأ المقالات والمساجلات والنقود الأدبية بشغف. كنت معجباً بمجلة (الشعر) التي يصدرها اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، وما زلت أتذكر قسم (بريد الشاعر) في المجلة، الذي ينشر ردود المحرر على الشعراء الطامحين في نشر قصائدهم، وكانت تلك الردود جريئة وممتعة وطريفة في آن.
أتذكر رداً يقول (إلى الصديق حسن…: مع الأسف يا حسن فإن ما أرسلته لنا لا علاقة له بالشعر! إنه مجرد عبارات مرصوصة وغير مترابطة. حاول أن تفهم ما هو الشعر قبل أن تشغل نفسك بكتابته)! ومن إجابات المحرر الأخرى: (الصديق عادل… قصيدتك لا تصلح للنشر)! (الصديق مدحت… قصيدتك ضعيفة من حيث البناء الشعري العروضي، خفيفة ومسطحة. حاول أن تتعمق في النظرة لتسبر غور الشعر الإنساني، وإلا فإن النثر أقصر الطرق لقول الأشياء المباشرة)! (الصديق محمد: بينك وبين الشعر آماد طويلة، فاصبر وثابر)! (الصديقة علا: الشعر ليست كتابة عبارات تحت بعضها، وإنما تفكير بواسطة الصور الفنية النابعة من الشعور الإنساني، محسوسة ومرئية معاً، حين تصافح وجدان المتلقي تفجر فيه المشاعر النبيلة والأفكار الخلاقة)! (الصديق محمد: قصيدتك (حوار الموتى) ليس فيها أي حياة، ولا أظن أنك أنت نفسك تفهم منها شيئاً على الإطلاق، بحق الله ما هذا الهذيان الذي لا ينتمي إلى الشعر أو النثر؟).
أحسب أن الردود أعلاه تنطبق على الكثير من قصائد شعراء اليوم التي تمتلئ بها وسائل التواصل التي صارت بديلاً للمجلات الأدبية المتخصصة. هناك حقاً من يتوهم بأن الشعر هو كلمات تكتب تحت بعضها، أو أنه تكرار للمألوف من الكلام والحكم والأقوال، ولا أدري لماذا يستسهل البعض قول الشعر حتى قبل أن يمتلك الحد الأدنى من الثقافة والمعرفة؟ يحضرني قول أبو بكر الصولي (لو سكت من لا يدري لارتاح الناس).
ويرى حافظ إبراهيم في الشعر (مسرحاً للخيال ووعاءً للحقيقة). ورغم أن حافظ شاعر عمودي، فإنه لا يقصر الشعر على الشكل العروضي القديم، إذ كتب في مقدمة ديوانه الصادر عام 1901 أن “الشعر هو كل ما يُحدِث في النفس أثراً، وخيره ما كان موزوناً”، والأفضل “عدم حبسه في الأوزان والقوافي”، بل إفساح المجال له كي “يتنزه بين رياض المنظوم وجنان المنثور”.
ويرى مصطفى صادق الرافعي أن (الخيال هو روح الشعر) وأن الشعر كالحلم (باعتباره انعكاساً لمعطيات خارجية). أما معروف الرصافي فيرى أن غاية الشعر هي “حمل النفوس على الانفعال قبضاً أو بسطاً” لغرض ما، قد يكون خيراً أو شراً.
الشاعر الكردي العراقي جميل صدقي الزهاوي يرى أن عبقرية الأديب تكمن “في إلفات الأرواح إلى حقائق اجتماعية أو مادية غير منتبه إليها”، بمعنى أن جدة الفكرة هي الأساس. والزهاوي صاغ أول ملحمة في الأدب العربي وهي “ثورة في الجحيم” عام 1931.
الشعر إذن، كما وصفه أعلام الأدب والنقد، وإن اختلفت تقييماتهم وأذواقهم، هو مشاعر واهتمامات شخصية، وإبداع يحلق في الخيال ولا يغادر الحقيقة، يتضمن صوراً جميلة ولكن جديدة، فتكرار المعاني أو الصور أو التعابير أو الشكل، لا إبداع فيه، فالإبداع بذاته أصل، كما يقول أدونيس، وليس في منظور الإبداع أسبقية، فلكل إبداع أسبقيته الخاصة، واللغة الشعرية لغة مجاز لا حقيقة، وهي علاقة احتمال وتخييل.
ويرى المويلحي، أن التخييل في الشعر هو “كساءٌ للحقيقة”، ويرى المنفلوطي أن الخيالي “مرآة للحقيقة”، بينما يرى الخالدي أن التحليق في الخيال “لا يعني تشويه الحقيقة”، أما البارودي فيرى أن القصيدة “هدية فكر، لا يشكل الخيالي فيها ما يجافي المحتمل أو يناقض المعقول”.
هناك شبه إجماع بين النقاد والشعراء أن الخيال أساسي فيما نسميه شعراً، لكن هناك من يغوص في الأعماق فيرى أنه حتى الخيال ليس خلقاً جديداً، وإنما هو انعكاس للتجربة أو كساء للحقيقة أو مرآة لها. يقول محمد دياب إن الشعر يقوم على “التأثير في النفس”، والتأثير يتجاوز الوزن بل يتعداه إلى التخييل لأن “النفس أطوع للتخييل منها إلى التصديق”.
الشعراء الذين تركوا أثراً قلة قليلة، وكانوا قد أتوا بجديد وجميل ولافت، ولم يكرروا المعاني والصور أو يتنطعوا من أجل بلوغ المكانة المرموقة. وفي النهاية، الشعر إبداع فكري وجمالي شخصي، لا تحده حدود وضعها الأسلاف. وما زلنا منشغلين بأمور الحياة العصرية المادية، فإن تفكيرنا سينحصر بالمحسوسات، أما الخيال الذي يتطلبه الشعر، فيبقى نادراً. وللحديث بقية.
حميد الكفائي
https://www.youtube.com/@hamidalkifaey7514/videos
https://global-watch-arabia.com/%d9%87%d9%84-%d9%86%d8%ad%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d8%a9%d8%9f/
الصورة مستلة من موقع
https://sotor.com/