هل نحن الأمة الشاعرة الأخيرة؟

غلوبُل ووتش عربية: 15 تموز 2026

 لماذا قَلَّ الاهتمام بالشعر في عصرنا؟ 
قل الاهتمام بالشعر في العالم المعاصر، والأسباب متعددة، منها ما يتعلق بكثرة الاهتمامات والانشغالات، ومنها بانصراف الناس إلى الاهتمامات المادية المُلِحَّة للحياة العصرية، ومنها شيوع أنواع أخرى من الأدب، كالرواية، وتعدد وسائل التعبير والاتصال والإعلام، فالشعر كان في العصور المنصرمة وسيلة إعلام مهمة ومؤثرة، وربما وحيدة في قوتها وتأثيرها.
في أوروبا، كان الشعراء الإنجليز والأيرلنديون والفرنسيون يتصدرون المشهد الأدبي، وظلت أيرلندا حتى العقود الأخيرة تهتم بالشعر، فشعراؤها العظام، مثل أوسكار وايلد وويليام ييتس، بقي تأثيرهم الثقافي كبيراً، وكان شيموس هيني، آخر الأدباء الأيرلنديين العظام، قد نال جائزة نوبل في الأدب عام 1995. أتذكر أنني حضرت أمسية شعرية له، بالاشتراك مع صديقه الشاعر الإنجليزي، تَد هيوز، عام 1997، واقتنيت كتابهما المشترك (حقيبة المدرسة).

من الشعوب التي ما زالت تولي الشعر اهتماماً كبيراً الشعب الفارسي، إذ ما زال الإيرانيون يحفظون أشعار حافظ وسعدي والرومي والفردوسي، باعتبارهم، وفق إيرانيين، رموزاً وطنية ساهمت في الحد من “تعريب” إيران! إذ تأثرت الثقافة الفارسية تأثراً كبيراً بالثقافة العربية بعد فتح إيران في القرن السابع الميلادي. وتلي إيران في اتساع الاهتمام بالشعر أفغانستان وطاجيكستان.

وبين الدول العربية التي ما زال الشعر مهماً فيها موريتانيا، التي سميت “بلد المليون شاعر”، والصومال التي اكتسبت وصف “الأمة الشاعرة”. أما في العراق فقد احتل الشاعر مكانة مرموقة في المجتمع، كما اقترن الشعر فيه بالثقافة، وصار كل من يريد أن يُعترف به مثقفاً، ويشكل هؤلاء الغالبية بين المتعلمين، عليه أن يكتب شعراً، بغض النظر عن جودة هذا الشعر، أو حتى كونه شعراً ابتداءً، ويصدر ديواناً كي يصنفه الآخرون مثقفاً، ويولوه الأهمية والاحترام اللائقين بمقامه! رغم أن قرّاء الشعر والمهتمين به يتناقصون حتى في عالمنا العربي “الشاعري” (مع الاعتذار لسميّي الفنان حميد الشاعري)!

شخصياً اهتممت، كباقي أبناء جيلي، بالأدب، وكنت مشتركاً في معظم المجلات الأدبية، مثل (الناقد) و(أدب ونقد) و(الشعر) و(الاغتراب الأدبي) و(اللحظة الشعرية). وكنت اقتني دواوين الشعراء وأحفظ الشعر وأقرأ المقالات والمساجلات والنقود الأدبية بشغف. كنت معجباً بمجلة (الشعر) التي يصدرها اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، وما زلت أتذكر قسم (بريد الشاعر) في المجلة، الذي ينشر ردود المحرر على الشعراء الطامحين في نشر قصائدهم، وكانت تلك الردود جريئة وممتعة وطريفة في آن.

أتذكر رداً يقول (إلى الصديق حسن…: مع الأسف يا حسن فإن ما أرسلته لنا لا علاقة له بالشعر! إنه مجرد عبارات مرصوصة وغير مترابطة. حاول أن تفهم ما هو الشعر قبل أن تشغل نفسك بكتابته)! ومن إجابات المحرر الأخرى: (الصديق عادل… قصيدتك لا تصلح للنشر)! (الصديق مدحت… قصيدتك ضعيفة من حيث البناء الشعري العروضي، خفيفة ومسطحة. حاول أن تتعمق في النظرة لتسبر غور الشعر الإنساني، وإلا فإن النثر أقصر الطرق لقول الأشياء المباشرة)! (الصديق محمد: بينك وبين الشعر آماد طويلة، فاصبر وثابر)! (الصديقة علا: الشعر ليست كتابة عبارات تحت بعضها، وإنما تفكير بواسطة الصور الفنية النابعة من الشعور الإنساني، محسوسة ومرئية معاً، حين تصافح وجدان المتلقي تفجر فيه المشاعر النبيلة والأفكار الخلاقة)! (الصديق محمد: قصيدتك (حوار الموتى) ليس فيها أي حياة، ولا أظن أنك أنت نفسك تفهم منها شيئاً على الإطلاق، بحق الله ما هذا الهذيان الذي لا ينتمي إلى الشعر أو النثر؟).

أحسب أن الردود أعلاه تنطبق على الكثير من قصائد شعراء اليوم التي تمتلئ بها وسائل التواصل التي صارت بديلاً للمجلات الأدبية المتخصصة. هناك حقاً من يتوهم بأن الشعر هو كلمات تكتب تحت بعضها، أو أنه تكرار للمألوف من الكلام والحكم والأقوال، ولا أدري لماذا يستسهل البعض قول الشعر حتى قبل أن يمتلك الحد الأدنى من الثقافة والمعرفة؟ يحضرني قول أبو بكر الصولي (لو سكت من لا يدري لارتاح الناس).

الجاحظ اعتبر الشعر صناعة، وردّه إلى (الحظ والغريزة والعِرق)! ورغم خطل هذا الرأي، فلكل جواد كبوة، لكن أبا عثمان صححه برد قيمة الشعر إلى الجَهد الإنساني. وابن خلدون يعرِّف الشعر بأنه “الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف”. وهذا التعريف يقترب من التعريفات المتأخرة التي اهتمت بالاستعارة بدلا من التشبيه الذي ساد في الشعر القديم. والشعر عند أبي تمام (هو صوب العقول ونتاج الفكر المهذّب) وأن القصيدة (مكرَّمة عن المعنى المعاد الذي هو نقيض الإبداع الإنساني).
أفلاطون يرى أن الشعر “لا يتصل بالحقيقة ولا يعدو أن يكون شيئاً تافهاً جالباً للضرر والأذى”! لكنه استدرك وقال إن له أثراً أخلاقياً! ويتفق الفارابي مع أفلاطون في أن الشعر “لا يعطي معرفة”. والشعر عند البارودي (لمعة خيالية يتألق وميضها في سماوة الفكر فتنبعث أشعتها إلى صحيفة القلب فيفيض بلآلئها نوراً يتصل خيطه باللسان). بينما يرى قسطاكي الحمصي أن الشاعر الحقيقي هو المبتكر الذي “يبتكر من التخيلات التي تولدها في خاطره المرئيات وسائر المحسوسات”.

ويرى حافظ إبراهيم في الشعر (مسرحاً للخيال ووعاءً للحقيقة). ورغم أن حافظ شاعر عمودي، فإنه لا يقصر الشعر على الشكل العروضي القديم، إذ كتب في مقدمة ديوانه الصادر عام 1901 أن “الشعر هو كل ما يُحدِث في النفس أثراً، وخيره ما كان موزوناً”، والأفضل “عدم حبسه في الأوزان والقوافي”، بل إفساح المجال له كي “يتنزه بين رياض المنظوم وجنان المنثور”.

ويرى مصطفى صادق الرافعي أن (الخيال هو روح الشعر) وأن الشعر كالحلم (باعتباره انعكاساً لمعطيات خارجية). أما معروف الرصافي فيرى أن غاية الشعر هي “حمل النفوس على الانفعال قبضاً أو بسطاً” لغرض ما، قد يكون خيراً أو شراً.

الشاعر الكردي العراقي جميل صدقي الزهاوي يرى أن عبقرية الأديب تكمن “في إلفات الأرواح إلى حقائق اجتماعية أو مادية غير منتبه إليها”، بمعنى أن جدة الفكرة هي الأساس. والزهاوي صاغ أول ملحمة في الأدب العربي وهي “ثورة في الجحيم” عام 1931.

أما أحمد شوقي، وهو الآخر من أصل كردي، فقد كان “يحلّق في الخيال لكن رُوح الحقيقة ممسك بعنانه”، كما وصفه حافظ إبراهيم في قصيدة استقبله بها إثر عودته من الأندلس:
تَخِذَ الخيال له بُراقا فاعتــلى فوق السها يستن في طيرانِهِ
ما كان يأمن عثرةً لو لم يكنْ روحُ الحقيقة ممسكا بعنانِهِ
فأتى بما لم يأتِــه متقـــــــدمٌ أو تطمعُ الأذهان في إتيانِهِ
هل للخيـــال وللحقيقة منهلٌ لم يبغِه الرُّواد في ديوانِهِ!
يملي عليها عقلـــــه وجنانَه ما ليس ينكره هوى وجدانِهِ
وما زلنا في ذكر أفضال الكرد على الثقافة العربية، فلا يمكن نسيان الأديب والمفكر محمد كرد علي، وزير المعارف السوري، الذي أسس أول مجمع للغة العربية في دمشق عام 1919.

الشعر إذن، كما وصفه أعلام الأدب والنقد، وإن اختلفت تقييماتهم وأذواقهم، هو مشاعر واهتمامات شخصية، وإبداع يحلق في الخيال ولا يغادر الحقيقة، يتضمن صوراً جميلة ولكن جديدة، فتكرار المعاني أو الصور أو التعابير أو الشكل، لا إبداع فيه، فالإبداع بذاته أصل، كما يقول أدونيس، وليس في منظور الإبداع أسبقية، فلكل إبداع أسبقيته الخاصة، واللغة الشعرية لغة مجاز لا حقيقة، وهي علاقة احتمال وتخييل.

ويرى المويلحي، أن التخييل في الشعر هو “كساءٌ للحقيقة”، ويرى المنفلوطي أن الخيالي “مرآة للحقيقة”، بينما يرى الخالدي أن التحليق في الخيال “لا يعني تشويه الحقيقة”، أما البارودي فيرى أن القصيدة “هدية فكر، لا يشكل الخيالي فيها ما يجافي المحتمل أو يناقض المعقول”.

هناك شبه إجماع بين النقاد والشعراء أن الخيال أساسي فيما نسميه شعراً، لكن هناك من يغوص في الأعماق فيرى أنه حتى الخيال ليس خلقاً جديداً، وإنما هو انعكاس للتجربة أو كساء للحقيقة أو مرآة لها. يقول محمد دياب إن الشعر يقوم على “التأثير في النفس”، والتأثير يتجاوز الوزن بل يتعداه إلى التخييل لأن “النفس أطوع للتخييل منها إلى التصديق”.

الشعراء الذين تركوا أثراً قلة قليلة، وكانوا قد أتوا بجديد وجميل ولافت، ولم يكرروا المعاني والصور أو يتنطعوا من أجل بلوغ المكانة المرموقة. وفي النهاية، الشعر إبداع فكري وجمالي شخصي، لا تحده حدود وضعها الأسلاف. وما زلنا منشغلين بأمور الحياة العصرية المادية، فإن تفكيرنا سينحصر بالمحسوسات، أما الخيال الذي يتطلبه الشعر، فيبقى نادراً. وللحديث بقية.

 حميد الكفائي

https://www.youtube.com/@hamidalkifaey7514/videos

https://global-watch-arabia.com/%d9%87%d9%84-%d9%86%d8%ad%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d8%a9%d8%9f/

الصورة مستلة من موقع
https://sotor.com/