غلوبل ووتش عربية: 22 حزيران 2026
 
مازال معظمُنا مقيداً بقيود الماضي السحيق، وإن أردنا أن نتكيف مع الحياة العصرية، فإننا نبحث عن نص اجترحه أجدادنا العظام، يجيز لنا الخروج من أسر الماضي. والحجة دائما هي الالتزام بالدين والخشية من الوقوع في الحرام، أو الإصرار على اتباع العادات والتقاليد “لأنها تمنحنا التفرد والهوية المميزة”، أو لأننا نعتقد بأننا “متفوقون أخلاقياً” على المجتمعات الأخرى، وأن علينا ألا نغادر هذا التفوق المرتبط بماضينا التليد.

أسئلة عديدة تدور في أذهان كثيرين، هل أنزل الله الكتب السماوية كي تقيد حرياتنا وتضع قيوداً على تقدمنا وسلوكنا وتساهم في إفقارنا وتخلفنا عن باقي خلقه؟ وهل حقاً أن هناك حلولاً ثابتة أوجدها أجدادنا قبل مئات السنين، لمشاكل الحياة العصرية المتغيرة بسرعة لم يتخيلها الأجداد؟ وهل عاداتنا وتقاليدنا تستحق التضحية بمستقبل أجيالنا؟ وهل نحن حقاً متفوقون أخلاقياً على مجتمعات أوروبا واليابان والصين والأمريكيتين؟

عندما يتصفح المرء كتب المفكرين المعاصرين التي تبحث في التراث العربي، من “نقد العقل العربي” لمحمد عابد الجابري، إلى “التراث والتجديد” لحسن حنفي، إلى “تجديد الفكر العربي” لزكي نجيب محمود، وكتب نصر حامد أبو زيد وعشرات الكتاب آخرين، نجد أنهم جميعاً يحاولون أن يجدوا لنا مخرجاً من أسر الماضي.

بل حتى المفكرون الذين أرادوا لنا أن نغادر الماضي مثل أدونيس في “الثابت والمتحول” وجابر عصفور في “قراءة التراث النقدي” وجورج طرابيشي في “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” وعلي الوردي في “وعاظ السلاطين” و”مهزلة العقل البشري” وكتبه الأخرى، وسيد القمني في كتبه العديدة الجريئة، هم الآخرون اضطروا إلى دراسة التراث دراسة معمقة ثم الانطلاق منه إلى الحداثة.

بل إن سيد القمني، وهو مفكر ثائر وجريء، قد قال في كتابه “الأسطورة والتراث” إن “إهمال التراث ليس من العِلمية بشيء” و”إننا يمكن أن نعثر في القديم على الكثير مما يفيدنا في حاضرنا”. ولكن ألا يأتي هذا البحث المعمق والمضني في التراث على حسب البحث في الحاضر والمستقبل؟

أما رجال الدين “المتنورون”، الحريصون على تقدم مجتمعاتنا، والحذرون من استخدام المتشددين النصوص الدينية لإعاقة التطور، فقد انشغلوا بكيفية التوفيق بين النصوص الدينية ومتطلبات العصر، التي تحتاج إلى علوم كثيرة وعمل دؤوب وحرية عابرة للتقاليد والثقافات.

لا شك أننا، أو على الأقل بعضنا، بحاجة إلى تكييف النصوص لتتلاءم مع متطلبات العصر، ولكن الاستغراق في هذا المسعى يعزز فكرة أننا لا نستطيع أن نمضي إلى المستقبل دون أن نجد ما يبرر ذلك في تراثنا الديني والاجتماعي، وهذه فكرة خطيرة ومعرقِلة للتطور، وفائضة عن الحاجة ابتداءً.

كان الإمام محمد عبده في طليعة أولئك الذين حاولوا تكييف النصوص الدينية كي تتلاءم مع العصر في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى درجة أنه أفتى بأن كل ما يتعارض مع العلم ليس من الدين بشيء، فالأولوية دائما للعلم والتطور، وإن النصوص الدينية يجب أن تُفّسَّر في هذا الإطار.

وقد تبعه الشيخ علي عبد الرازق الذي برهن على أن المسلمين لا يحتاجون إلى حكومة “إسلامية” كي يتمسكوا بدينهم، وأن الإسلام انتشر دون مساعدة أي حكومة أو سلطة، بل إنه ذهب أبعد من ذلك في كتابه القيم “الإسلام وأصول الحكم” من أن النبي محمد لم يكن حاكماً، بل كان نبياً، وقد أطاعه الناس على هذا الأساس، وأما تسمية الحكام الذي خلفوا النبي بالخلفاء ليس صحياً لأن (الخليفة) يجب أن يكون كُفواً للنبي وهذا غير ممكن.

وأغرب ما نجد في عصرنا أن هناك من يتوهم بأن مفكرينا القدامى قد سبقوا علماء عصرنا في علومهم وابتكاراتهم. فعلى سبيل المثال، يرى محمد مندور، في كتابه “النقد المنهجي” أن مذهب عبد القاهر الجرجاني، العالم اللغوي العربي الذي عاش في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، هو أصح وأحدث ما وصل إليه علم اللغة في أوروبا، وأنه سبق العالم السويسري، فرديناند ديسوسير، الذي عاش في القرن العشرين، بقرون عديدة، متناسياً أن ديسوسير هو مؤسس علم اللسانيات الحديث المعترف به عالمياً!

وفي الإطار نفسه، يقول كمال أبو ديب في كتابه “جدلية الخفاء والتجلي”، إن عبد القاهر سبق العالم الإنجليزي، آيفور آرمسترونغ ريتشاردز، الذي عاش في القرن العشرين، بتسعة قرون! وهناك عشرات الكُتّاب العرب الذي يحملون هذا الفكر المتقوقع في الماضي، والذي لا يستطيع أن يرى الفضل إلا في السابقين، بل يتوهم بأنهم أفضل ممن جاء بعدهم من العلماء المشهود لهم بتطوير العالم، وكأن العالم قد توقف عن التطور والابتكار عند فترة معينة.

ترى ما الذي يدفع المفكرين العرب إلى تأليه الماضي والتقيد بأفكاره وتقديس رموزه، وتغليبه على الحاضر؟ وهل من العقل أو المصلحة بشيء أن يعتقد الإنسان بأنه يحتاج إلى الانسجام مع أفكار القدماء، مهما علت مقاماتهم، وأنساق الحياة التي عاشوها، كي يتعامل مع قضايا عصره بما يراه مناسباً ووفق ما توصلت إليه شعوب العالم المتقدمة من أفكار وابتكارات واختراعات وتقنيات متطورة؟

وهل نحن حقا نختلف عن باقي شعوب الأرض، بحيث أننا الوحيدون الذين لنا ماضٍ “تليد” يستحق أن نهجر حاضرنا من أجله، وأن نلتزم بأنماط الحياة التي سادت فيه؟ بل هل يمكننا فعلاً أن نعيش وفقاً لأنساق حياتية وأنماط تفكير مضت عليها مئات السنين؟

إن التمسك بقيود الماضي والإبقاء عليها بحجة قدسيتها وارتباطها بنصوص دينية، برع كثيرون في تأويلها كي تكون متشددة، ومعيقة للانخراط في الحداثة والانسجام مع العالم والتفاعل الإيجابي معه، يسيء بحد ذاته إلى الماضي الذي نفخر به، وإلى الدين الذي نتمسك به.

الأديان لم تأتِ كي تكون عائقاً أمام تطور حياتنا وسعادة أجيالنا المتعاقبة وتحرير المرأة من القيود الاجتماعية البالية المفروضة على حريتها، وتبوء دورها في إدارة الدولة والمجتمع.

ليس عيباً أن نعترف بأننا توقفنا عن التطور خلال القرون المنصرمة، بسبب التمسك بهذا النهج المناهض للتطور، ولابد لنا أن نسعى حثيثاً لإيجاد السبل الكفيلة باللحاق بركب العالم المتقدم، وأولها هو الانفتاح وإطلاق الحريات والتقيد بالقوانين وإقامة العدل بين الناس دون تمييز، وجعل الالتزام بالتقاليد والنصوص الدينية أمراً فردياً، يلتزم به من يشاء ويتخلى عنه من يرغب بذلك أو يحتاج إليه.

حميد الكفائي

https://global-watch-arabia.com/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d8%aa-%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%81%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%b6%d8%b1%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%ad%d9%8a/