شتّان ما بين الحشد الشعبي (العراقي) والحرس الثوري الإيراني

قادة الحشد تحولوا إلى أمراء حرب، وجَمَع كلّ منهم أموالاً طائلة عبر السلاح وفرض الإتاوات على المؤسسات والمنافذ الحدودية
النهار العربي اللبنانية- 14-08-2025

كثيرون في العراق والعالم يقارنون الحشد الشعبي بالحرس الثوري الإيراني ويقولون إنه مشروع حرس ثوري عراقي، ويدّعون بأن مهامه وأهدافه وأسباب نشأته تتطابق، أو تتشابه، مع مهام الحرس الثوري الإيراني وأهدافه وأسباب نشوئه، ألا وهي المحافظة على النظام القائم والدفاع عنه ضد الأخطار الداخلية والخارجية.
 
لكن نظرة تفحُّصية دقيقة تكشف الاختلافات الصارخة بين التنظيمين. فالحرس الثوري أنشئ كي يكون سنداً عسكرياً للنظام الإيراني، يحافظ على “الثورة”، وقيمها وأهدافها، ولا يتحرك إلا بأمر القائد الأعلى للدولة، ولا يخالف القوانين السائدة.
 
الحرس الثوري مؤسسة تابعة للدولة، ومنتسبوه منضبطون، لا يتمردون على قادتهم، الذين يتغيرون باستمرار، وعندما يغادرون مناصبهم، يسلمونها حسب الأصول إلى المُعَيَّنين لشغلها، ويبقون موالين للدولة، حتى وإن اختلفوا مع النظام في رأي أو سياسة أو إجراء. توجد شركات مرتبطة بالحرس، لكنها تُدار لصالحه، وليست ملكاً لقادته، ولا يُسمح لهم التصرف بها حسب أهوائهم ومصالحهم، ولا ينتفعون من مواردها، فموردهم الوحيد هو رواتبهم المتواضعة، وهم يعملون لمصلحة الدولة.
 
أما الحشد الشعبي، الذي يتخذ أسماءً موسمية حسب الحاجة، منها الفصائل أو المقاومة الإسلامية، فإنه يُعتَبر جزءاً من القوى الأمنية العراقية، ويفترض به أن يطبق القوانين المرعية، ابتداءً من القانون المؤسِّس له، وانتهاءً بالقوانين الأخرى التي يشرعها البرلمان. المرجعية الرسمية للحشد هي القائد العام للقوات المسلحة، وهدفه المعلن هو محاربة الإرهاب، وحسب توجيهات رئيس الوزراء.
 
ولكن، هل يلتزم قادة الحشد بالقوانين العراقية؟ هل يأتمرون بأمر رئيس الوزراء؟ هل يعملون لصالح الدولة التي ينتمون إليها؟ الجواب كلا والمصاديق كثيرة، والعراقيون والمراقبون جميعاً يعرفونها.
 
قادة عديدون في الحشد تحولوا إلى أمراء حرب، وجَمَع كلّ منهم أموالاً طائلة عبر السلاح وفرض الإتاوات على المؤسسات والمنافذ الحدودية، والمطالبة بحصة في مشاريع الدولة، فصاروا يمتلكون العقارات ومراكز التسوق والفنادق والمباني والقصور الفارهة، التي استولوا عليها بالقوة، وهذا ما صرح به رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي.
 
لم يكتفِ هؤلاء بالإثراء غير المشروع، واحتقار القوانين، بل أضفوا على أنفسهم هالة من القدسية، ونسبوا وجودهم إلى فتوى المرجعية الدينية، التي طالبت مراتٍ عديدةً بحصر السلاح بيد الدولة. والأخطر من ذلك أنهم أخذوا يقمعون الرأي الآخر، ويخطفون الصحافيين والناشطين، خلافاً للقانون، ويقتلون المتظاهرين، ومجزرة شبان تشرين لا تزال شاخصة أمامنا، ودماءُ ضحاياها الأبرياء لم تجفْ بعد.
 
لم تجرؤ الحكومات المتعاقبة (المالكي، العبادي، عبد المهدي، الكاظمي) على معاقبة الخاطفين والقتلة والسراق. وتعاملت حكومة السوداني بحذر مع الجماعات المسلحة، لكنه تجرأ عندما وصف هجومها على إقليم كردستان بالإرهابي. مشكلة السوداني أن نواب الحشد (الفصائل/المقاومة/الإطار) هم الذين أوصلوه إلى السلطة، ليس لأنه منهم، بل لأنه الوحيد الذي كان يحظى باحترام واسع خارج دائرتهم. ويمكن تفهم حذره، فهو يسعى لإكمال ولايته ثم خوض الانتخابات، علّه يحصل على تمثيل كافٍ، كي يبقى لولاية ثانية.  
 
يُسجَّل للسوداني أنه اتخذ خطوة أكثر جرأة عندما عاقب منتسبين للحشد، اعتدوا على دائرة حكومية، واصطدموا بقوة أمنية وتسببوا بقتل وجرح مدنيين، ما يعني أنه يدرك خطورة الموقف، وأن خدعة الفصل بين الحشد والفصائل والمقاومة لم تعد تنطلي على أحد.
 
 لقد صار جلياً أن الفصائل، التي تدّعي المقاومة، وتقتل وتخطف وتنهب وتهاجم دولاً أخرى، وتحارب خارج الحدود، وتعادي أميركا، التي يرتبط معها العراق باتفاقية الإطار الاستراتيجي، ويستعين بها أمنياً وديبلوماسياً ومالياً واقتصادياً، هي جزء من الحشد، وهذا ما لن تقبل به أميركا ولا الدول الغربية ولا الشعب العراقي.    
 
الحشد الشعبي إذن يختلف جذرياً عن الحرس الثوري التابع للدولة الإيرانية، الخادم لسياساتها، والممتثل لأوامر السلطة الإيرانية، بينما يمارس الحشد سياسات تتعارض مع المصلحة الوطنية العراقية، ويتلقى أوامره من قائد فيلق القدس، المصنف منظمةً إرهابية. قائد فيلق القدس يزور العراق بانتظام ويلتقي بقادة الحشد (الفصائل/المقاومة)، ويقدم لهم التوجيهات والأوامر، ما يجعل الحشد، فعلياً، تابعاً لدولة أخرى.
 
لم يعد هذا الأمر خافياً، بل واضح كالشمس في رابعة النهار. أمام العراق خياران اثنان. إما يكون دولة متماسكة، ناجحة، ومنسجمة مع العالم، أو ساحة حرب مدمَّرة، وشعباً ممزقاً فقيراً، يكون عبئاً على المنطقة والعالم. السوداني أمام مفترق طرق، والوجهة واضحة. لا شك أنه يدرك الخطر الداهم الذي يتهدد العراق.
 
 حميد الكِفائي
 

https://www.annahar.com/articles/voices/237389/%D8%B4%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A