مجلة نون العدد 38
لو لم يكن هناك نص دستوري ملزِم لتجاهلت معظم الكتل السياسية الحالية ترشيح أي إمرأة في الانتخابات النيابية أو انتخابات مجالس المحافظات ولربما خلت هذه المؤسسات من أي مشاركة نسائية، وخير دليل على ذلك هو خلو التشكيلة الوزارية الحالية من أي إمرأة باستثناء وزارات الدولة التي تضر أكثر مما تنفع. من الناحية الأخرى، فإن قليلا من النساء تمكنّ من الفوز في الانتخابات دون مساعدة الكووتا النسائية وهذا أمر محزن جدا تتحمله الكتل السياسية والحكومة بالدرجة الأولى ومؤسسات الدولة الأخرى، العامة منها والخاصة، ومؤسسات المجتمع المدني بدرجات متفاوتة.

هذا الواقع يجب أن يتغير وهناك حاجة ماسة في العراق لإطلاق حملة تثقيفية طويلة الأمد من أجل توعية الناس حول أهمية انخراط المرأة في الوظائف العامة جميعها، ومن الضروري أن تضطلع مؤسسات الدولة المعنية بهذه المهمة. حملة كهذه يجب أن تبدأ في المدارس، إذ يجب أن تكون هناك مادة حول المرأة تُدرّس في كل المراحل الدراسية كي يتعلم النشأ الجديد عن أهمية دور المرأة في تربية الأجيال وتقدم الشعوب وأن الجميع سوف يتضرر من غياب أو نقص مشاركة المرأة الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية. الحملات السابقة والحالية ركزت على استلهام العبر من الشخصيات النسوية التأريخية التي عاشت قبل مئات أو آلاف السنين وهذا لم يعد مناسبا لأن الوضع قد تغير ولم تعد حياة الماضين ذات علاقة بحياتنا الحالية. المرأة العراقية بحاجة لأن تتعلم من المرأة العصرية وليس التأريخية رغم الاحترام الذي يجب أن يولى للأخيرة.

هناك أيضا حاجة لأن يتعلم الرجل، أبا كان أم أخا أم ابنا أم زوجا، أن شرف العالة يحمله الجميع وليس المرأة وحدها. هذه مسئولية كبيرة ويجب ألا تلقى على كاهل المرأة وحدها دون أن يسمح لها بالتسلح بالعلم والخبرة لحماية نفسها وتعزيز قدراتها. ويجب أن يتعلم أيضا أن شرف المرأة والعائلة يتصدع إن بقيت المرأة حبيسة البيت وإن لم تكمل دراستها أو عندما تتولى دورا ثانويا في العائلة أو الدولة أو المجتمع. يجب أن تفخر العائلة العراقية ببناتها المتعلمات والناجحات، أما من يجبر المرأة على البقاء في مستويات ثقافية ومهنية متدنية فيجب أن يحاسب مجتمعيا أولا ثم قانونيا لأنه يحرم عضوا مهما في المجتمع من المشاركة الفعالة والضرورية في البناء والتقدم. يجب أن يعلم الرجل أنه وإن كان أقوى من المرأة جسديا في بعض الأحيان، لكنها أقوى منه معنويا وهذه حقيقة أثبتتها التجارب العملية في الدول المتقدمة. هذه القوة المعنوية التي تتمتع بها المرأة هي بالتأكيد لمصلحة الجميع نساء ورجالا. فإن تسلحت المرأة بالعلم والخبرة ونالت كل حقوقها المساوية للرجل فإنها بالتأكيد ستكون الأقوى في المجتمع وهذا لن يأتي على حساب الرجل بل لصالحه. الرجل، أبا وزوجا وأخا وابنا، هو المستفيد الأول من قوة المرأة المعنوية والاجتماعية والمهنية. للأسف، هناك الآن عائلات كثيرة في العراق لا تزال تمنع بناتها من التعلم متوهمة أن ذلك يحمي المرأة من الزلل ويبعدها عن الرذيلة لكن الحقيقة هي العكس تماما. فكلما كانت المرأة قوية، ازدادت قدرتها على حماية نفسها وشرفها وشرف عائلتها واقتربت من الفضيلة وساهمت في بناء المجتمع والدولة.

لا يزال حضور المرأة متدنيا في الدوائر والمؤسسات والمدارس وأجهزة الشرطة والقضاء والتعليم والمستشفيات العراقية. مستشفياتنا بشكل خاص تفتقر إلى الحد الأدنى من النساء وتحديدا العاملات في حقل التمريض. لا تزال الأعراف الاجتماعية تحول دون إنخراط المرأة في هذا الحقل الإنساني المهم رغم أن كثيرات من بناتنا امتلكن الشجاعة للتصدي لهذه المهمة المقدسة، لكن الحاجة تدعو إلى انخراط المزيد خصوصا في حقل الرعاية الصحية الذي يتفوقن فيه على الرجال. المجالات الأخرى تفتقر إلى النساء أيضا ولا يكاد يكون هناك حقل من حقول الحياة في العراق يتساوى أو يتقارب فيه حضور المرأة مع الرجل، إلا اللهم حقل التعليم الابتدائي. هناك آلاف النساء العراقيات المؤهلات والقديرات في شتى الحقول معطلات الآن في داخل العراق وخارجه، وبإمكان الدولة أن تستقطبهن إلى العمل كي يملأن هذا الفراغ الكبير. هناك آلاف النساء اللائي هاجرن مع عائلاتهن إلى الخارج وقد اكتسبن الكثير من المهارات المهنية واللغوية والحياتية وبإمكانهن أن يشاركن في بناء العراق الجديد لو أن الحكومة سعت لاستقطابهن عبر تسهيل عودتهن وكذلك عبر تقديم الحوافز اللازمة لهن كي ينخرطن في مجالات تخصصهن أو اهتمامهن.

 

مشاركة المرأة في الحياة العامة هي أهم مقياس يقاس به تقدم الشعوب ورقيها، فكلما ازدات مشاركة المرأة كان ذلك دليلا على رجحان قوة العقل على قوة العضلات والعكس صحيح. هذه المشاركة ضرورية لتقدم الأجيال، من نساء ورجال، وليست أمرا كماليا نفعله حينما يحلو لنا، ويجب أن تسبق المشاركة السياسية وتمهد لها. المرأة التي تدخل الحياة السياسية قادمة من البيت عادة ما تكون أقل كفاءة من المرأة التي خبرت الحياة وعملت في أي مجال سواء في القطاع العام او الخاص. لن يتطور مجتمعنا ولن تكون هناك ديمقراطية كاملة مازلنا نعتمد على الكووتا النسائية كي نضمن مشاركة المرأة في الحياة السياسية، رغم أهمية الكووتا في الوقت الحاضر لضمان الحد الأدنى لتلك المشاركة. يجب أن تتسابق الأحزاب والقوائم السياسية العراقية لتقديم أفضل الطاقات النسائية كي تتمكن من كسب أصوات الناخبين، لكن ذلك لن يتحقق مازال تضامن النساء مع النساء في التصويت متدنيا كما هو الوضع حاليا. صحيح أنه يجب أن يتعامل الناخبون مع المرشحين دون تمييز على أساس الجنس، لكن المطلوب من النساء على الأقل أن يبحثن بقوة عمن يعزز حضور المرأة في الحياة العامة ويحفظ حقوقها وهذا لن يكون إلا عبر تفضيل المرشحات على المرشحين.