لماذا تحتج إيران على اسم “الخليج العربي”؟

النهار العربي: 17 يناير/كانون الثاني 2023

قدَّمت إيران احتجاجا للعراق على استخدامه اسم “الخليج العربي”، في بطولة “كأس الخليج العربي 25″ التي تستضيفها البصرة، واستدعت السفير العراقي في طهران، وسلَّمته مذكرة احتجاج بهذا الخصوص، في إجراء غريب لم تفعله سابقا.

 البلدان العربية عموما تستخدم اسم (الخليج العربي) منذ استقلالها مطلع القرن الماضي، ولم تحتج إيران سابقا على أي دولة عربية تستخدم هذه التسمية، رغم استمرارها في استخدام اسم (الخليج الفارسي). كما أقامت علاقاتٍ طبيعيةً عبر السنين مع العديد من الدول العربية، باستثناء العراق الذي لم تتصالح معه طوال التأريخ، ولن تفعل، حتى يأتي إلى حكمها نظام عصري يحترم القانون الدولي وسيادة الدول المستقلة وثقافة الشعوب الأخرى.

اسم الخليج العربي لم يأتِ من فراغ، بل هو الاسم الذي ينسجم مع الواقع الجغرافي والديموغرافي للمنطقة، فهناك ثماني دول تطل على الخليج، سبعٌ منها عربية، وأن ساحل الخليج الكلي يمتد على مسافة 5117 كم، تطل الدول العربية على 3581 كم منها، بينما يبلغ طول الساحل الإيراني 1536 كم، وأن معظم سكان مناطق الساحل الإيراني هم من العرب أيضا، ما يزيد من شرعية التسمية، جغرافيا وديموغرافيا.

كما ينسجم الاسم مع التأريخ الحديث، ففي عام 1534 أطلق العثمانيون، الذين كانوا يحكمون العراق ومعظم البلدان العربية، على الخليج اسم “خليج البصرة”، وهي مدينة عربية تقع على رأس الخليج، وقد امتدت هذه التسمية لتشمل حتى مضيق هرمز، الذي سماه العثمانيون (مضيق البصرة)، ومازالت تركيا تستخدم اسم “خليج البصرة” حتى يومنا هذا (Basra Körfezi).

وفي خريطة العالم لعام 1569 حمل الخليج اسم “خليج رأس مسندم” نسبة إلى شبه جزيرة مسندم العُمانية. وقد استخدم الجغرافي، أبراهام أورتيليوس، في خريطة “أطلس العالم” لعام 1570 اسم “خليج القطيف” نسبة إلى ميناء القطيف السعودي، بينما سمّى مدخل الخليج بـ “مضيق البصرة”.  

وإذا عدنا إلى التأريخ القديم، فإن الآشوريين استخدموا اسم (البحر المُر) للإشارة إلى الخليج، بينما استخدم البابليون اسم (بحر ما وراء أكد) حسبما ثبته الخبير (Ariel Bagg) في كتابه (The unconquerable country). والطريف أن البريطانيين سمّوا الخليج (خليج بريطانيا) ابتداءً من العام 1840، لكنهم تخلوا لاحقا عن التسمية لصالح الخليج العربي!

دول العالم الأخرى، بدأت تستخدم اسم “الخليج العربي” منذ منتصف القرن الماضي، اعترافا منها بهذه الحقيقة الجغرافية الديموغرافية الشاخصة. البريطانيون، مثلا، بدأوا يستخدمون اسم “الخليج العربي” منذ عام 1955، وأول من استخدمه هو السير تشارلز بلغريف، المستشار السابق لحكومة البحرين، وكتب ذلك في مجلة صوت البحرين. الأمريكيون أيضا يستخدمون اسم “الخليج العربي” ويوجد توجيه رسمي للجيش الأمريكي منذ عام 1991 باستخدام اسم “Arabian Gulf”.

أما اسم “الخليج الفارسي” فقد استخدُم لأسباب موضوعية يمكن تفهمها، منها مثلا أن إيران كانت جزءا من الدولة الإسلامية الواسعة، ولا حرج في إطلاق اسم الفرس المسلمين على أي بقعة من بقاعها، كما أن البحر الأحمر كان يسمى في الوثائق اليونانية القديمة “الخليج العربي”، وللتمييز بين الاثنين، استُخدِم مصطلح “الخليج الفارسي” كي لا يحصل خلط بين الاثنين، خصوصا في مسائل الحدود بين الدول والإمبراطوريات.

الأسماء ليست منزلة، وكثير منها فرضته القوى الغازية أو استخدمت نتيجة لخطأ، أو وهم، كتسمية (الهنود الحُمر) في أمريكا، وهم ليسوا هنودا ولا حُمر. البحر الفاصل بين فرنسا وبريطانيا، يسميه الإنجليز (القنال الإنجليزي) بينما يسميه الفرنسيون (بحر المانش). لكن الإنجليز، الذين عرفوا ببراعتهم الدبلوماسية، أسقطوا وصف (الإنجليزي) من اسم القنال، وبدأوا يستخدمون الاسم مجردا من الصفة، كي لا يزعجوا حلفاءهم الفرنسيين، ثم أنهم لن يخسروا شيئا، فالأسماء لا تغير التبعية أو الملكية.

في أيار/مايو من عام 1979، اقترح صادق خلخالي، رئيس المحاكم الثورية الإيرانية، ومن أكثر الإيرانيين الجدد تشددا، أثناء زيارته لدولة الأمارات العربية المتحدة، استبدال وصف (الفارسي) بـ (الإسلامي)، على أن تتخلى الدول العربية عن اسم (الخليج العربي)، لكن العرب رفضوا المقترح وأصروا على استخدام الاسم الحقيقي والواقعي للخليج وهو الخليج العربي.

وقد نُقل عن أول رئيس للوزراء في إيران الجمهورية، مهدي بازركان، أنه أراد إزالة وصف (الفارسي) من اسم الخليج، واستبداله بالإسلامي. كما اقترح قائد الثورة الإيرانية، الخميني، تغيير اسم الخليج إلى (الخليج المحمدي)، وقد سمعتُ الخبر شخصيا عبر إذاعة طهران العربية عام 1979. فلو كان الاسم راسخا، لماذا يقترح قادة إيران تغييره؟

حاليا ينفرد الإيرانيون عالميا باستخدام اسم “الخليج الفارسي”، بل صار الأمر هوسا لديهم. ففي عام 2004 نظموا هجوما سبرانيا على محرك غوغل، الذي أزال وصف (الفارسي) من اسم الخليج، وتمكنوا من إيصال رسالة للمتصفحين الباحثين عن الخليج العربي في غوغل، ملخصها (أن الخليج الذي تبحث عنه أيها المتصفح لا وجود له. هناك فقط الخليج الفارسي الذي سيبقى خالدا إلى الأبد)! الأمر الذي دفع غوغل لتغيير الآلية بحيث لا يمكن أن تظهر هذه الرسالة التي حشَّد لها الإيرانيون في كل أنحاء العالم.

وفي عام 2006، حظرت السلطات الإيرانية دخول مجلة (الإيكونوميست) الاقتصادية العالمية إلى إيران، لأنها أزالت، هي الأخرى، وصف (الفارسي) للخليج العربي. من الواضح أن لدى الفرس حساسية من الأسماء العربية تحديدا، علما أنهم يدينون بالإسلام ويسمون دولتهم (جمهورية إسلامية)! لا يكترثون كثيرا للأسماء التي تستخدمها الدول الأخرى، مثل تركيا، التي مازالت تستخدم اسم (خليج البصرة)، لكنهم يريدون أن يفرضوا آراءهم وأسماءهم على العرب فقط، والعراقيين تحديدا.

فهم ينفردون بإطلاق اسيم فارسي على (شط العرب)، الذي يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات العراقيين، في مدينة القرنة العراقية، فيسمونه “أروان رود”! علما أن خرائط العالم أجمع تستخدم الاسم العربي (Shat Al-Arab)، ولا تستخدم حتى الترجمة. ويسمون مدينة المحمرة العربية “خرمشهر”، وعربستان (خوزستان) وهكذا مع كل المدن العربية.

وفي الثمانينيات، رفعت السلطات الإيرانية دعوى قضائية على رئيس بلدية مدينة الأحواز، العربية، لأنه زرع أشجار النخيل في شوارع المدينة، كإجراء بيئي وجمالي، مدعية بأنها محاولة “لتعريب” المدينة! باعتبار أن النخلة شجرة عربية. لكن رئيس البلدية ربح الدعوى عندما احتج لدى المحكمة بالنصوص الدينية التي تقدس النخلة ومنها الحديث الشريف (أكرموا عمتكم النخلة).

ولا يتوقف مسلسل تغيير الفرس للأسماء عند حد معين، فجمال الدين الأفغاني، وهو أفغاني، بل كان رئيسا لوزراء أفغانستان، يسمونه جمال الدين الأسدآبادي ويدّعون بأنه إيراني! وعالم الكيمياء العراقي، جابر بن حيان الكوفي الأزدي، يسمونه جابر بن حيان الطوسي، علما أنه مولود في الكوفة وينتمي إلى قبيلة أزد العربية!

الكاتب العراقي الراحل الدكتور عباس الكليدار كتب كتابا عن العراق باللغة الإنجليزية في السبعينيات، وبينما كنت أطالع الكتاب، فوجئت بوجود العبارة التالية في المقدمة (يتكون العراق من السنة العرب، والشيعة المتحدثين بالعربية، والكرد)!

التقيت بالدكتور الكليدار بعد سنوات في بيت عالمة الآثار العراقية الراحلة، لمياء الكيلاني، وعاتبته على كتابة هذه العبارة، التي تقسم العرب العراقيين إلى عرب ومتحدثين بالعربية، فاستغرب أشد الاستغراب قائلا إنه لم يكتب هذا الكلام قط. فطلبت منه أن يراجع كتابه لأن العبارة مدونة في مقدمته، وفي اليوم التالي اتصل بي هاتفيا وقال إنك على حق، فقد قرأت هذه العبارة في المقدمة، وأنا لم أكتبها قط، لكن الناشر الإنجليزي طلب من شخص إيراني أن يراجع الكتاب، وهو الذي عبث بالنص ووضع تلك العبارة دون علمي وعلم الناشر! وهذا الدس في الكتاب هو جزء من محاولات إيرانية كثيرة لإلغاء عروبة معظم العراقيين كي تُضعِف البلد وتجعله تابعا لها.

يحاول بعض الفرس بشتى الطرق الانتقاص من العرب وتجريدهم من مزاياهم الحقيقية، بل زوروا الكثير من أحداث التأريخ بهدف تشويه صورة العرب، متذرعين بحجج واهية. إصرار قادة إيران على استخدام اسم “الخليج الفارسي” دليل على العنجهية الموجهة، ليس ضد العرب فحسب، بل ضد مكونات الشعب الإيراني الأخرى، من الأذريين والكرد والعرب والبلوش والتركمان والمازندرانيين والتاليش واللور والكيلاك والقشقاي، لأن الفرس لا يشكلون سوى 48.2% من سكان إيران، حسب تقديرات مؤسسة (Wikimedia) الموثوقة.

وفي كل الأحوال، فإن الأسماء ليست سندات ملكية، فالعرب لا يمتلكون (ساحة الطرف الأغر) في لندن، ولا حي (بير حكيم) في باريس، رغم اسميهما العربيين، ولا الهند تمتلك المحيط الهندي، ولا الصين تمتلك بحر الصين، والدول العربية لا تعتزم الاستيلاء على المناطق العربية التي ضمتها إيران بالقوة في القرن الماضي، وصارت الآن جزءا من الدولة الإيرانية، رغم اعتراض سكانها العرب على الضم القسري، وسعيهم الحثيث لنيل الحرية من الاضطهاد والتفريس.

ملوك الفرس هم الذين استخدموا اسم (الخليج الفارسي)، وليس الشعوب الإيرانية، وما يستخدمه الفرس لا يلزم أحدا غيرهم، والعالم كله يعرف أن الخليج عربي، جغرافياً وديموغرافياً وتأريخياً، وليس بمقدور إيران أن تفرض الاسم على العالم، خصوصاً وأنها أزالت وصف (الفارسي) من اسمها عام 1935، وتبنت (إيران)، من أجل توحيد الشعوب الإيرانية تحت راية (الآرية)، علما أن مكونات إيران القومية ليست كلها آرية.

لم تستطِع إيران خلال ألفي عام أن تقنع العالم بأن الخليج فارسي، لأنه يتعارض مع الجغرافيا والديموغرافيا، ولن تستطيع مستقبلا، خصوصا بعد اتضاح نواياها التوسعية الكامنة وراء تغيير الأسماء وتزييف الحقائق.

حميد الكفائي

https://www.annaharar.com/arabic/makalat/opinions/16012023050129185