مجلة نون:
أصبح واضحا خلال الانتخابات العراقية المتعاقبة خلال السنوات الخمس المنصرمة  أن هناك مشكلة كبيرة تعترض سبيل تقدم المرأة في العراق ألا وهو تفكير المرأة العراقية ذاتها التي لا تزال أسيرة للهيمنة الذكورية وتقاليد المجتمع الشرقي المقيِّدة لحرية المرأة. وقياسا بنتائج الانتخابات الأخيرة فإن الناخبات العراقيات لم تسعين لانتخاب بنات جنسهن، وهذا ليس سلبيا كله في الظروف الطبيعية وقد يتعلق بكفاءة وأهلية المرشحين وتوجهاتهم السياسية، بل ذهب معظمهن لانتخاب الرجال المعروفين، تماما كما فعل الناخبون الذكور ووفق المعايير والخطوط السياسية نفسها. وقد تمكن أغلب المرشحات الفائزات من الوصول إلى البرلمان ليس عن طريق الاستحقاق الانتخابي بل بسبب قانون الحصة النسائية المعمول به في العراق الذي يشترط أن يكون ربع أعضاء البرلمان من النساء.

هذه الظاهرة يجب أن تنبه إليها النساء العراقيات بشكل عام والناشطات النسويات بشكل خاص كي تعملن على معالجتها. ورغم أن طموح الوطنيين عموما والليبراليين تحديدا هو أن لا يكون هناك تمييز في نهاية المطاف من الرجال ضد النساء أو العكس، خصوصا في مسائل التصويت الذي يجب أن يكون على أساس البرنامج السياسي، أي أن بإمكان المرأة أن تنتخب الرجل والرجل المرأة، لكن يفترض أن تكون النساء الأقرب إلى قضايا المرأة والأقدر على تفهمها والأنشط في الدفاع عنها ومعرفة من هو الأقدر على تحقيق مصلحة  المرأة، وهذا يحتم عليهن، في الوقت الحاضر على الأقل، تشجيع المرشحات وتفضيلهن على غيرهن من المرشحين والتصويت لهن كي يتبوأن مواقعهن في البرلمان للعمل من أجل إنصاف المرأة وتحقيق مساواتها مع الرجل.

لكنه، ويجب الاعتراف بحقيقة أن النساء لم تصوتن بالقدر الكافي للنساء، بل صوتن حسب ما أملته عليهن توجهات عوائلهن السياسية والاجتماعية. قد تكون هناك أسباب أخرى لهذه الظاهرة وليس فقط ما يتصوره البعض من تمييز اجتماعي ضد النساء، منها على سبيل المثال عدم وجود دعاية انتخابية كافية للنساء واعتماد المرشحات على سمعة وبرنامج القائمة التي رشحتهن وجهود المرشحين الرجال فيها. ومهما كانت الأسباب فإن هذه الظاهرة خطيرة ولا بد أنها تزعج الكثير من الناشطات النسويات خصوصا أولئك اللائي رشحن في الانتخابات ولم يحصلن إلا على بضع مئات من الأصوات لا يتناسب مع نشاطاتهن السياسية والثقافية والاجتماعية الكثيرة. فإن كانت المرأة لا تنتخب المرأة، كيف نتوقع من الرجال في مجتمعنا الشرقي المنحاز جنسيا بأغلبه أن ينتخبوا النساء؟

لن أضيف جديدا إن قلت إن خلو المواقع القيادية في المجتمع والدولة من النساء هو خلل كبير على الرجال قبل النساء أن يسعوا لتصحيحه، لأن المرأة هي نصف المجتمع في العالم كله وهي أكثر من ذلك في العراق بسبب الكوارث التي حلت بالعراق على مدى السنوات الثلاثين الماضية التي أخلت بتوازن الجنسين في المجتمع وتسببت في قتل ما يقارب المليون من الشباب العراقي الذين خلفوا وراءهم آلاف الأرامل والأيتام. وفي تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق تحملت المرأة العراقية مسئولية رعاية أفراد العائلة كلهم بل وإعالتهم أيضا. أما عوائل معارضي النظام فقد عانت الكثير وتلقت شتى أصناف الإهانة والملاحقة والحرمان. لن يستطيع أحد أن يقيِّم حجم الأذى والظلم الذي لحق بالمرأة غير النساء أنفسهن، ولا أحد يستطيع أن يرعى مصالح النساء بالقدر المطلوب إلا النساء ومن هنا تأتي الحاجة إلى إشراك المرأة بقوة في قيادة مرافق الدولة، فذلك هو من مصلحة جميع أفراد العائلة، رجالا ونساء وأطفالا. ولكن، ونحن نتصدى لهذه العملية البنيوية المهمة، يجب أن نطرح التساؤل التالي ونجيب عليه بصراحة كي نكون دقيقين في تشخيص المشكلة: هل تمكن من تصدى لقضية حقوق المرأة خلال السنوات القليلة الماضية من تحقيق قدر ولو ضئيل من أهداف الحركة النسوية العراقية؟ هل كان النساء اللائي شغلن مواقع قيادية في البرلمان والدولة يعملن دائما من أجل المرأة؟ أم أن بعضهن كان يعمل من حيث لا يدري على ترسيخ اللامساواة وهيمنة الرجل على شئون الحياة؟ صحيح أن المرأة هي أعرف بمصلحتها من الرجل، لكن المشكلة أن الذي يقرر من يأتي من المرشحات ليس النساء بل الرجل، وأن بعض النساء قد جيء بهن إلى البرلمان بهدف الالتزام بالقانون الانتخابي الذي يحتم وجود إمرأة بين كل ثلاثة مرشحين، ولم يؤتى بالأفضل ممن يمتلكن الخبرة والقدرة فعلا على خدمة حقوق المرأة والعارفات فعلا بمصلحتها.

لاشك أن الحصة النسائية لعبت دورا في إجبار الأحزاب السياسية على إشراك المرأة في العمل السياسي، ولولاها لم رأينا حتى مرأة واحدة في البرلمان، لكن هذا الاشتراط قد مكَّن للأسف هذه الأحزاب من الإتيان بمن ترغب من النساء اللائي قد لا يكونن الأفضل أو الأقدر على خدمة قضايا المرأة. الحركة النسوية العراقية مدعوة لبحث هذ المسألة بجدية وصراحة كي تتوصل إلى نتائج عملية تساهم في رفع مشاركة المرأة في العمل السياسي والإداري في الدولة وكذلك الإتيان بالأقدر والأفضل إلى مواقع المسئولية. قد يقول قائل إن حال النساء في العراق هو كحال الرجال، فلم يؤت بالأفضل من الرجال إلى مواقع المسئولية، وهناك حق في مثل هذا القول لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا في قضية المرأة لأنها فوق هذا وذاك تعاني من التمييز الاجتماعي وهذا ما لا ينطبق على الرجال.