حسين كركوش
 
الحوار المتمدن: 25 أيلول 2021
 
في رواية (الغائب الحاضر) يقول مؤلفها حميد الكفائي، كما نقرأ في الصفحة الأخيرة من غلاف الرواية، بأن غرضه من كتابة هذه الرواية هو، (تسليط الأضواء على ممارسات تجلت بها قسوة المجتمع “العراقي” على أفراده، في بيئات بدوية وريفية وحضرية، دينية وعشائرية ومدنية، فقيرة وثرية، تشكل بتفاعلها وامتزاجها المجتمع العراقي.)
 
هذا التنويه من قبل المؤلف يدفعنا أن نفترض بأن روايته ستكون من الصنف الذي يطلق عليها النقد الفرنسي تسمية (Roman à thèse رواية أطروحة)، أي هناك أطروحة، أي فلسفة حياتية، أو رسالة، أو موعظة، أو درس أو رؤيا سياسية تريد الرواية أو يريد الروائي الدفاع عنها، وإيصالها للقراء وإقناعهم بصحتها.
 
و في أي رواية من هذا النوع فأن (الأطروحة) التي يريد المؤلف إيصالها للقراء، قد تكون عقيدة فلسفية أو سياسية أو علمية أو دينية أو أخلاقية. ورواية من هذا الصنف غالبا ما يطغى عليها الجانب (التعليمي)، وتقترب لغتها من الكتابة الصحفية التقريرية، وشخصياتها، خصوصا الرئيسية، مرشحة أكثر من غيرها من الشخصيات في روايات من صنف آخر، بأن تكون (أدوات) يخلقها المؤلف لتحقق له غرضه، حتى لو كان ذلك على حساب التقنية الجمالية، كلغة وأسلوب السرد، وحبكة الرواية، و(بناء) الشخصيات. وأبطال روايات كهذه دائما ما يكونون إيجابيين و متفاؤلين و ناجحين، ويتغلبون على الصعاب. وروايات من هذا الصنف تطغي عليها النبرة الخطابية المباشرة، واللغة الشعاراتية الحماسية.
 
هل أن رواية (الحاضر الغائب) تنتمي لهذا النوع ؟ نفترض ذلك. قلنا (نفترض) وعلينا الآن أن نسير باتجاه إثبات الفرضية عبر ذكر الأطروحة التي تدافع عنها الرواية، وتريد إقناع القراء بصحتها، وبناء شخصياتها.
 
رسائل و دروس و مواعظ
 
الثيمات، بل قل الرسائل والدروس والمواعظ (وهي دوما حماسية وتقدم بطريقة تقريرية مباشرة) التي تبشر بها رواية الكفائي، أو تروج لها أو تريد تثقيف القارئ بها وإقناعه بصوابها، متعددة وكثيرة حد التضخم، منها: حقوق الإنسان، حرية الاختيار، حرية الكلام، اقتصاد السوق، نقد (عادات ومعتقدات غيبية خرافية وتقاليد بالية وضارة مبنية على أوهام لم يقرها عقل أو علم أو منطق ص 401، 402)، التعاطف مع قضايا المرأة ورفض الظلم الذي تتعرض له النساء (اللائي وقعن ضحايا للعادات القاسية، واستسلمن للقدر دون مساءلة ص401)، إعلاء الهوية الوطنية العراقية على جميع الهويات الفرعية، رفض توظيف الدين لغايات دنيئة، التحرر من الأوهام التي تسيطر على عقول كثيرين، التخلص من الجهل والغباء والانحطاط الأخلاقي، نقد العادات والتقاليد العشائرية السيئة كزواج الفصلية والقصاص الثأري، تمجيد العلم ورفض (خرافات المخرفين وعلاجات الجهلة والحلول البدائية للقضايا التي تتعلق بحياة الانسان)، رفض الديكتاتورية والتبشير بالديمقراطية، بالإضافة لقضايا آخرى.
                                                                                                                                                              الناقد حسين كركوش
 
ولادة انتليجنتسيا عراقية جديدة
لكننا نرى أن هناك ثيمة أو فكرة مركزية كبرى، ولنسميها الأطروحة الأم، تجمع كل الثيمات أعلاه، و تفرض نفسها على امتداد صفحات الرواية، عبر الشخصيات والحبكة والسرد وهي: الإعلان عن ولادة انتليجنتسيا عراقية intelligentsia تنويرية جديدة بنكهة ليبرالية في المجتمع العراقي.
الانتليجنتسيا العراقية الجديدة (وبالإمكان تسميتها “نيو انتليجنتسيا”) (تختلف) عن تلك التي ظلت تتشكل منذ ولادة الدولة العراقية الحديثة وحتى نهاية تسعينيات القرن الماضي، لكن لا تتقاطع معها.
 
الاختلاف يكمن في أن أفراد الأنتليجنتسيا الجديدة ولدوا وكبروا في ظل تغيرات سوسيولوجية وديموغرافية واقتصادية شهدها المجتمع العراقي. وبينما كان أفراد الانتليجنتسيا العراقية القديمة، كما ترى بعض الدراسات، يفكرون ويتصرفون كأعضاء منعزلين داخل نادي خاص مغلق خاص بهم، أو (نخب) متغربة (نسبة للغرب)، بعيدة عن هموم الفئات الشعبية الواسعة واشتراطات الواقع العراقي، فأن أفراد الأنتليجنتسيا الجديدة في رواية الكفائي لهم جذور وامتدادات شعبية، بل هم قادمون من فئات شعبية فقيرة و من (الأطراف) وليس من (المركز). ولهذا ، فهم يختلفون ، من ناحية المنشأ والتكون والانحدار الاجتماعي الطبقي والمصادر المعرفية، عن أفراد الانتليجنتسيا العراقية التقليدية التاريخية التي تكونت مع تكون الدولة العراقية الحديثة نهاية عشرينيات القرن الماضي وساهمت مساهمة تنويرية كبيرة في تحديث المجتمع.
 
بالطبع، عندما نقول انتليجنتسيا، نقول أفراد الطبقة الوسطى التي تكونت في بغداد ومراكز المدن الكبرى منذ بداية القرن الماضي العراقي (محامون، أطباء، مهندسون، ملاك صغار، وجهاء في مدن و أرياف، رجال دين متنورون، طلاب جامعيون، أساتذة معاهد دراسية، تجار صغار، فنانون … الخ).
 
تلك الطبقة الوسطى و عقلها الثقافي النابض، الأنتليجينتسيا التي بدأت تتكون منذ عشرينيات القرن الماضي، هل ما تزال موجودة و ناشطة في المجتمع العراقي بعد التحولات التي شهدها المجتمع ، أم أنها ماتت واندثرت ، ومعها ماتت أفكارها وسلوكياتها و ممارساتها ، بعد أن تسارعت وتيرة ترييف المدينة العراقية ، كما بدأ البعض يعلن منذ سنوات؟
في رواية (الغائب الحاضر) ، تلك الطبقة الوسطى الكلاسيكية، وعقلها التنويري الانتليجنتسيا، ما تزال على قيد الحياة المجتمعية وفي كامل لياقتها، ولم تتخل عن دورها التنويري، ولم ينضب رصيدها الثقافي ومنظومتها الفكرية، ولم تندمج أو تذوب داخل الفئات والشرائح الأدنى، كما تقول كتابات عراقية.
 
كل ما يحدث هو أن (الآباء) التنويريين، أصبحوا شيوخا وفي طريقهم للتقاعد، وهم يسلمون الراية لـ(الأبناء) التنويريين الجدد. وكما أظن فأن هذا الموضوع ينفرد بمناقشته حميد الكفائي، ولا أعرف أن كان روائي عراقي آخر توقف عنده. قد تكون هناك دراسات أو بحوث علمية ناقشت هذا الموضوع ، لكن ليس عن طريق العمل الروائي، كما أظن.
الانتليجنتسيا العراقية القديمة في رواية ( الغائب الحاضر) يمثلها الطبيب والأستاذ الجامعي ، حسان خالص ، والجديدة الناهضة الصاعدة الواعدة يمثلها المحامي الشاب ناظم مطشر ، و هو الراوي ذاته و الشخصية المركزية.
 
الدكتور خالص تنويري في أفكاره وممارساته. فهو يؤمن بفاعلية العلم ويرفض المعتقدات الغيبية (منذ متى شفي شخص من الدعاء في ضريح؟ الى متى يبقى هولاء البلهاء يعيشون في أوهام ص287). وهو ليس (صاحب ضمير) مهني، فحسب، وإنما ضمير وطني كذلك، ويسعى لمساعدة الناس والدفاع عن القضايا العامة، وليس جني الأرباح، وهو نصير لحقوق النساء.
لكن هذا التنويري العراقي ، الذي أدى مهماته بجدارة، لم يعد مؤهلا لأداء دوره (بعد أن تقدم به العمر وأصبح بحاجة إلى المساعدة ص 366)، و بسبب شيخوخته فأنه: (تقاعد بعد تجاوزه السبعين من العمر ص398). وإذا عرفنا أن أحداث الرواية تدور في نهاية تسعينيات القرن الماضي، فهذا يعني أن الدكتور حسان خالص ينتمي لرعيل التنويريين الأوائل في العراق.
لكن تقاعد جيل التنويريين الأوائل ، الذي يمثله المثقف التنويري الدكتور حسان خالص، لا يعني (تقاعد) أفكاره وسلوكه ومواقفه التنويرية، ولا يعني فشلها، ولا عقمها واستحالة تطبيقها، بقدر ما يعني ظهور جيل جديد (مختلف) من التنويريين العراقيين في المجتمع.
 
خير خلف تنويري لخير سلف تنويري
 
أفراد هذا الجيل الجديد تسلموا شعلة التنوير من الجيل الأقدم، ليس عن طريق الإلغاء القسري الاجتثاثي، بل بطريقة ودية وباحترام وثقة متبادلتين، مثلما يحدث بين الأب و أبنه، لكن دون وصاية بطريركية وبعيدا عن الإكراه. يقول المثقف التنويري الشاب، المحامي ناظم مطشر: (علاقتي بالدكتور حسان توطدت كثيرا وكنت المحامي المعتمد له في كل القضايا القانونية… رعاني كأبنه ووقف معي موقفا إنسانيا رفيعا، وأغدق علي كرما اسطوريا … وسمح لي أن أحتل جناحا من المبنى الذي يمتلكه … أصبح الدكتور حسان بمثابة الأب بالنسبة لي … لذلك ربطت حياتي به وهو الآخر يشعر بولائي له ص390 ، ص370 ، ص391).
 
إذن، ما الفرق بين أفراد الجيلين، أي بين المثقف التنويري الشاب ناظم مطشر وأقرانه، وبين المثقف التنويري (العجوز) حسان خالص ونظرائه ومجايليه من الرعيل الأول؟
الفرق ليس في (جوهر) منظومة الأفكار، وليس في الهدف الاستراتيجي، فهما ينتميان لمنظومة حداثية تنويرية واحدة. الفرق الرئيسي هو سوسيولوجي، ديموغرافي، بيئوي، يفرضه الحراك الديموغرافي الاجتماعي في العراق.
 
الدكتور حسان خالص (وهذا أمر مهم جدا) حضري، ولادته ومنشأه وعمله وعلاقاته في العاصمة بغداد ذات الطبيعة الكوسموبوليتية: (بغداد التي تذوب فيها الهويات والشخصيات. بغداد التي تضم الغني والفقير، الجنوبي والشمالي، المتعلم وغير المتعلم، المتدين وغير المتدين ص349)، وهو من (مجتمع بغدادي متحضر).أما المثقف التنويري الشاب ، المحامي ناظم مطشر ، فهو ليس حضريا في نشأته ، أي ليس من (المركز) وإنما من (الأطراف).
 
ناظم (معيدي) عاش مع عائلته في (مساكن عشوائية عند أطراف مدينة الحلة … داخل غرف طينية … يربون الجاموس وتصنيع منتجاته من قيمر وزبد وحليب ولبن ص11).
لكننا سنرى أن ناظم، الصبي (المعيدي) القروي الآن، والمحامي والمثقف التنويري لاحقا، استطاع أن يحلق في سماء (التنوير والحداثة) بفضل وبمساعدة جناحين تنويريين.
الجناح الأول هو المثقف الحضري الدكتور حسان الذي يقول عنه ناظم بأنه صار (بمثابة الأب لي). والجناح الثاني هو الريفي سيد حاضر الذي يصفه ناظم بأنه (عملاق أخلاقي)، وبيته بمثابة (مدرسة) تعلم فيها.
 
لكن، لو تتبعنا التسلسل التاريخي لأحداث الرواية لوجدنا أن الأصل في تكون شخصية ناظم وصقلها وضخها بالأفكار التنويرية هو (أولا) تأثره بتفكير وسلوك الريفي سيد حاضر الذي تعرف عليه قبل ذهابه لبغداد، ولاحقا أو (ثانيا) الدكتور حسان الذي تعرف عليه في بغداد. والمصدر الثالث لأفكاره التنويرية، هو، المؤسسات التعليمية الحكومية التي تعلم فيها ناظم، في الريف حتى تخرجه من الثانوية، ثم، بغداد التي أكمل فيها دراسته الجامعية وصار محاميا ومثقفا تنويريا.
 
زحف عمراني حضاري
 
القروي ناظم الذي أصبح محاميا ومثقفا طليعيا في العاصمة بغداد، وكذلك الفتاة القروية، جميلة، التي أصبحت طبيبة ومثقفة تنويرية، أيضا في بغداد، هما من نتائج، أو هما (أبناء) التحول الديموغرافي والتوسع الحضري الذي شهده الريف العراقي. الريف العراقي في رواية (الغائب الحاضر)، وخصوصا القريب جغرافيا من مراكز المدن الكبرى، هو ليس تلك البيئة التقليدية المغلقة التي تقترن بالجهل والتخلف و بالتقوقع على الذات، و الطاردة للأفكار الحديثة والانفتاح والتقدم. صحيح، أن الريف العراقي في رواية الكفائي تسوده و تتحكم بأهله قيم ما قبل الدولة لكنه، في نفس الوقت، يشهد انتشار بؤر حضرية ترفض تلك القيم القديمة وتحث على التمرد ضدها، أو أقله تنتقدها بشدة.
 
البؤر أو المراكز الحضرية التنويرية في الريف يمثلها في الرواية سيد حاضر، والمزارع جبار. يرفض المزارع جبار، الذي حول حقله إلى (مزرعة سياسية) يجتمع فيها معارضون لنظام الرئيس السابق صدام، تصنيف الناس على ضوء هوياتهم الفرعية، ويقول، باعتباره احد المعارضين لحكم صدام: (يجب أن يكون خطابنا وطنيا كي نميز أنفسنا … ونتحدث نيابة عن عموم الشعب العراقي، الذي يريد حكومة وطنية عادلة، ودستورا منصفا للجميع، ويحظى باحترام الجميع، ودولة ترعى المواطنين دون تمييز على أسس قومية أو دينية أو مناطقية … وننسى هوية الفاعل المذهبية أو القومية أو المناطقية، فهذه ليست مهمة، فالكل عراقيون ص329). ثم يذهب المزارع جبار في تفكيره أبعد من ذلك، فيدخل في حقل ألغام ويفجر أول لغم بقوله: (يجب أن ننتبه إلى أمر مهم وهو أننا لا نتبع أي مذهب أو دين ص329).
 
البؤرة الريفية التنويرية الآخرى التي لا يضاهيها ولا يدانيها أحد في قرية (رملة) وكل القرى القريبة هو، سيد حاضر. سيد حاضر (سيد من نسب الرسول) وجيه محترم ومهاب في قريته والقرى المجاورة ورئيس عشيرة، في آن واحد. وهو إصلاحي، عقلاني، واقعي، تسووي. إنه ضد الظلم الذي تتعرض له النساء، فهو (يرفض الفصل العشائري المجحف بحق النساء ص77) ، وهو (حقا نصيرا للنساء والضعفاء والمظلومين ص285 )، وهو يحارب الخرافات والدجل (علاج الخرزة للشفاء من الأمراض)، ولا يؤمن الا بالعلم (ص135)، ويثقف عائلته وأبناء قريته ضد الخرافة (عليكم مستقبلا أن تحذروا من خرافات المخرفين وعلاجات الجهلة ص137)، وربى ابنه الوسيم تربية (عصرية تقدمية ص145 )، وعائلة سيد حاضر (ملتزمة بقيم انسانية رفيعة).
 
يصف الراوي ناظم، سيد حاضر بأنه (العملاق الأخلاقي الذي احتضنني ص268)، وعن بيت سيد حاضر يقول الراوي ناظم مطشر: ( تعلمت الكثير فيه، فقد كان مدرسة لا ترقى إليها مدرسة، لمن يتفكر ويعتبر ص399 ).
ماذا تعلم ناظم مطشر في (مدرسة) أو مضيف التنويري الريفي سيد حاضر ؟
الدرس الأهم هو، أن الحلول الثورية الراديكالية الانقلابية لا تعجل في دفع عجلة التقدم في المجتمع العراقي، بل تعيقها، وأن الأسلوب السلمي المسالم ورفض استخدام العنف، والحلول التسووية، والتفكير البراغماتي، ورفض التطرف الآيدولوجي هي أمور لا بد منها لإحداث تغيرات عميقة داخل المجتمع العراقي.
يقول سيد حاضر: علينا (ان نضحي من اجل السلم والوئام. نحن العقلاء. الأمور ليس دائما أبيض وأسود. الحياة تتطلب تنازلات وقبولا بالأمر الواقع.)
 
هجرة ريفية نوعية
 
أفكار سيد حاضر هذه شكلت الخلفية الفكرية الأولى للشاب ناظم مطشر، حتى قبل أن يزور بغداد ويتعرف على الدكتور حسان خالص. ناظم ولد و شب في عائلة ريفية وفي بيئة ريفية تحكمهما قيم ما قبل الدولة، ومفاهيم و تقاليد بدائية. وهذا تماما حال الشخصية الرئيسية الثانية، الفتاة الريفية جميلة. لكن ناظم و جميلة كبرا وهما يرفضان هذه التقاليد.
 
فقد رفضت الفتاة جميلة، وهي لما تزل بعد في قريتها (رملة) (الزواج من ابن عمها الكسول المنبوذ الذي يكبرها بعشرين سنة ص274)، والذي تصفه بأنه (جاهل و متخلف). وهي، حتى عندما كانت في قريتها وقبل تخرجها من الجامعة، تستعين بالعقل والمنطق لقضاء حوائجها ولا تستعين بالأضرحة لأنها لا (تؤمن بهذه الخزعبلات ص281). وهذا ما يفكر به ناظم، أيضا.
يقول ناظم: (لم أشعر يوما في حياتي، حتى في أحلك الظروف، أنني بحاجة للاستعانة بمرقد أو ولي أو قوة غيبية لمساعدتي على تجاوز مصاعب الحياة ص277).
 
الآن، وهما في بغداد، فأن ناظم وجميلة يبشران بنفس الأفكار التنويرية التي كانا يؤمنان بها وهما في قريتهما. إنهما يمارسان عملهما بعد تخرجهما من الجامعة، و يفكران ويتصرفان بطريقة عصرية، متحررة من (قيود المجتمع الرملي” أي مجتمع قريتهما السابق”). بمعنى آخر، أن ناظم وجميلة لم يساهما في (ترييف Ruralization) المدينة، بل العكس تماما. أي ان هجرة القرويين، ناظم و جميلة إلى العاصمة بغداد تختلف عن الهجرات الريفية المتعاقبة التي شهدتها بغداد منذ ثلاثينيات القرن الماضي. أولاءك الريفيون وصلوا لبغداد وهم يحملون قيم ما قبل الدولة، وظلوا متمسكين بها حتى النهاية.
 
أما ناظم وجميلة فقد وصلا بغداد وهما، أصلا، يحملان قيم مدنية تنويرية حداثوية، وهما الآن في العاصمة بغداد يحولان تلك القيم إلى ممارسات وسلوك. لكن ذلك لا يعني انسلاخهما تماما من بيئتهما الريفية السابقة، (فليس صحيحا أن يختل التوازن) بين البيئتين، كما يقول ناظم مطشر ص406.
 
لم تحدث قطيعة بين القروي ناظم الذي أصبح محاميا وسكن بغداد وزميلته القروية جميلة التي أضحت طبيبة وسكنت بغداد، من جهة وبين السكان الريفيين في قرية (رملة). وهذا ما حدث في حفلة زفاف جميلة القروية السابقة والطبيبة المقيمة في بغداد حاليا. إذ، برجاء من جميلة صار ناظم هو الذي يوجه، بالنيابة، الدعوات لحضور الحفل: ( دعوت “ناظم” الوسيم نجل سيد حاضر” وجبار ورشيد كي يحضروا الحفلة باعتبارهم من أهالي رملة “القرية التي وفد منها ناظم و جميلة” وطلبت منهم أن يرتدوا الزي المدني، وليس العربي، فالحفلة في بغداد وتقيمها عائلة بغدادية عائلة الزوج” تنتمي إلى ثقافة مختلفة، فوافقوا ص 407.)
 
وحتى في الممارسات اليومية لم يغير ناظم وقد أصبح محاميا معروفا في بغداد من عاداته: (الجلوس على الأرض وتناول الطعام يستهويني كثيرا، فقد اعتدت عليه مذ كنت أتناول الطعام مع رواد مضيف سيد حاضر في رملة وبقيت امارس الشيء نفسه عند قدومي إلى بغداد ص382). وكما قال له أحد معارفه من قرية (رملة) عندما التقاه في بغداد: (أنت لا تتغير يا ناظم. أصبحت محاميا ومديرا وثريا وما زلت كما كنت في رملة تفترش الأرض ص383 ).
 
ورغم أن ناظم يقول (أنا غير متدين ص359)، ويتناول الكحول ومغرم بسماع الموسيقى ويرقص في الحفلات، إلا أنه ظل يشتري الطعام ويذهب إلى (صحن الإمام الكاظم ليتناوله على الأرض ص379.) ويفسر تصرفه كالآتي: (أنا آتي الى صحن الكاظم لأسباب عاطفية شخصية ص359.)
 
و كما نرى فأن المواضيع التي تناقشها رواية (الغائب الحاضر) تنتمي لفلسفة التنوير والحداثة، ومنحازة للتجديد داخل المجتمع العراقي، وإذا استخدمنا اللغة السياسية فنقول إن مواضيعها ليبرالية تقدمية، لكن دون (تغريب) ودون تعال على الثقافة الشعبية المحلية ودون إحداث قطيعة وعداء بين ثقافة الفئات الشعبية، وثقافة النخب الحضرية.
 
شخصيات خلقها الروائي لتنفذ هدفه الاستراتيجي
 
ولكي يحقق مؤلف (الحاضر الغائب) الهدف الذي رسمه، أي إقناع القراء بصحة المواضيع التي يناقشها، فأنه اختار شخصيتين رئيسيتين: الأولى، ناظم مطشر والثانية، جميلة جلال، بالإضافة لشخصيات أخرى مهمة ذكرناها.
لكن (الحاضر، الحاضر دوما) في الرواية ولم يغب لحظة هو ناظم ناظم هو الرواي، والراوي كما يقول النقد بمثابة الإله: يعرف كل شيء، و لا يفوته شيء، ويحيط علما بكل شيء.
بالطبع، الراوي، في أي عمل روائي، هو شخصية ورقية من اختراع المؤلف، وليس هو المؤلف، ولكن من السهل جدا، بل من المتوقع أن يختبأ المؤلف وراء الراوي، خصوصا عندما يكون الراوي بصيغة الحاضر المفرد المتكلم، لينقل على لسانه ما يريد قوله، هو المؤلف.
 
وفي رواية الكفائي التي نتحدث عنها، الراوي ناظم يظل وحده بدون منافس يسرد لنا الأحداث منذ السطر الأول من الرواية: (لا أتذكر كم كان عمري عندما ماتت أمي ص 11)، وبعد ذلك يقدم لنا الشخصيات الواحدة بعد الأخرى، ويسرد لنا الأحداث كلها. وحتى بعد ظهور الشخصية الرئيسية الثانية، جميلة جلال، بعد منتصف الرواية (ص269) يظل ناظم هو الحاضر أبدا.
ففي أول ظهور للفتاة جميلة جلال في الرواية فأننا نتعرف عليها من خلال عيني ناظم: (قررت “ناظم” العودة الى الحلة بعد خمسة عشر عاما من الغياب .. كنت قد اكملت الدراسة الثانوية في رملة وصممت ان التحق بالجامعة .. في السيارة كان يجلس الى جانبي رجل مسن ومعه شابة في غاية الجمال ص273.)
 
ومنذ هذه اللحظة وحتى انتهاء الرواية، فأن كل ما نعرفه عن جميلة يرد على لسان ناظم، وليس مباشرة على لسان جميلة: (بدأت جميلة تسرد لي “ناظم” قصتها. أنا “جميلة” كنت في الصف الثالث المتوسط … الخ. ص278 ).
(الراوي) ناظم يسمح لنفسه بفرض وصايته على الفتاة (جميلة) وكأنه ولي أمرها، وكل قول نسمعه للفتاة جميلة إنما هو على عهدة الراوي.
في الواقع، أن من (تسرد) ليست جميلة، ولا حتى الشخصية الأولى ناظم. من يسرد هو المؤلف نفسه، أما ناظم وجميلة فهما، شأن غالبية أو جميع الشخصيات الأخرى في الرواية، ليسوا سوى (أدوات) يختفي ورائهم المؤلف ويملي عليهما ما يريد، و يقولهما ما يريد.
 
و عندما نقول إن المؤلف يحول شخصياته الروائية إلى (أدوات)، فهذا يعني أنه يسلب منهم حرياتهم ورغباتهم وعواطفهم وذكرياتهم. فنحن لا نعرف، مثلا، أي شيء عن تفاصيل حياة ناظم وجميلة طوال سنوات دراستهما الأكاديمية. والسبب هو، أن المؤلف لا يتوقف لحظة واحدة عن مراقبة حركاتهما وأقولهما التي لقنهما إياها، حتى إذا نطق أحدهما كلمة واحدة بعيدا عن (النص)، فأن المؤلف لا يسمح له. ولهذا ، نحن أمام شخصيات سطحية (Flat characters)، وليست شخصيات تمتاز بالامتلاء وعمق التفكير والديناميكية.
 
و السبب في ذلك كله هو، أن المؤلف لديه، حتى قبل أن يشرع في كتابة روايته، مجموعة من أفكار أو دروس أو مواعظ، أو وجهة نظر يريد الدفاع عنها، بأي ثمن، حتى لو ضحى بالعناصر الروائية الأساسية، وحتى لو ركب مركب الميلودراما المتورمة المبالغ فيها.
 
ولهذا فأن (الصدفة) تحتل دورا حاسما في الحبكة الروائية: الراوي ناظم يلتقي صدفة بالفتاة جميلة، ويلتقي صدفة بأخته التي هربت مع عشيقها لبغداد، ويلتقي صدفة بأبناء قريته، جبار ورشيد في صحن الكاظم، ويلتقي مرة أخرى بالصدفة بالفتاة جميلة في كلية الطب بعد فراق، وتلتقي جميلة، بالصدفة، بالدكتور الذي عالجها أول مرة وأصبح لاحقا أستاذها …الخ.
وعلى امتداد صفحات الرواية يظل المؤلف يشحن شخصياته بشجاعة خارقة لا تعرف التراجع، يجسدها قول أو (شعار) الراوي، ناظم، في نهاية الرواية: (… لأن أصنع المستحيل، وقد صنعته بتصميم راسخ و إرادة صلبة ص398).
 
وهكذا هي جميلة. سنعرف، مثلا، عندما نتقدم في القراءة أن جميلة شجاعة وعصامية ومتمردة على واقعها ويتلبسها إصرار على تحقيق أهدافها، وتنجح في ذلك، حتى أنها تصبح طبيبة مرموقة، هي القروية المنحدرة من عائلة فقيرة وغير متعلمة.
وإذا عدنا، ثانية، للشخصية المركزية الأولى، السارد أو الراوي ناظم مطشر فأننا نجده يبز جميلة عشرات المرات في شجاعته السوبرمانية الخارقة، وقوة شخصيته، فقد نجح ناظم أن يتحول من صبي من (المعدان) يعيش مع عائلته في أطراف مدينة الحلة ثم هارب من أبيه بعد وفاة الأم، إلى محام معروف في العاصمة بغداد. وطوال هذه الرحلة الحياتية تعرض ناظم لصعوبات حياتية كثيرة نجح في التغلب عليها، حتى بدا ناظم عندما نفى نفسه إلى قرية (رملة) كأنه روبنسن كروسو عراقي يعيش في تسعينيات القرن الماضي، يواجه الصعوبات ويتغلب عليها واحدة بعد آخرى.
 
لكن رغم ذلك، أي رغم هالة البطولة التي يرسمها المؤلف حول شخصيتي ناظم وجميلة ، فأنهما، روائيا وتقنيا ، ليستا شخصيتين قويتين.
جميلة تظل، من الناحية التقنية الروائية، شخصية باهتة وضعيفة، وتظل منذ لحظة ظهورها في الرواية وحتى نهاية الرواية تحت وصاية السارد (ناظم)، أو الأصح تحت وصاية المؤلف نفسه. والسبب ليس في صفاتها الشخصية، وهي صفات باهرة كما قلنا توا، وإنما في إصرار خالقها، أي الروائي المؤلف، على ترويضها، ورغبته أن ينقل عبرها للقراء رسالته أو (أطروحته)، حتى لو تم ذلك بطرق خطابية مباشرة ووعظية، وبافتعال.
 
وما يقال عن شخصية جميلة يقال، أيضا، عن شخصية ناظم. والسبب، كما هي حال الشخصية الثانية، جميلة جلال، لا يكمن في صفاته، وإنما في رغبة المؤلف في إخضاع شخصيات روايته لمشيئته وفرض أبوته عليهم، وتحميلهم ما لا طاقة لهم بحمله، وتقويلهم (خطب) سياسية رنانة و(مواعظ) أخلاقية و(قدرة) تحليلية للواقع، ويفرض عليهم ممارسات حياتية غريبة عليهم. وكل هذا يفعله المؤلف لأنه (ملتزم) بإيصال (رسالة) للقراء، بأي ثمن، حتى لو تم ذلك بإقحام ودون تمهيد. لن نستشهد إلا بأمثلة قليلة جدا:
 
(جميلة ترقص وتغني بصحبة شاب وسيم من زملائها في حفل التخرج ص392، ناظم يشرب شرابه المفضل، شيفاس ريغال ص .410 وفي فصل (زمان الثقوب) يتحدث الراوي ناظم مطشر عن الوضع السياسي في العراق خلال العقدين الأخيرين لحكم صدام، بدءا من (فرار الشيوعيين في عام 1978 ، والبعثيين غير المواليين لصدام، والإسلاميين، ومجزرة قاعة الخلد، وهروب ابنتي الرئيس) ، ثم يذكر (قصيدة للشاعر عدنان الصائغ هجا فيها الدكتاتور علنا.) وفي ص 308 يتحدث ناظم عن (الموجة الدينية التي اكتسحت المجتمع العراقي في الثمانينيات والتي فاقمها في التسعينيات الحصار الدولي الظالم على مجتمع بريء، نتيجة لأفعال رئيسه الإجرامية الهوجاء … ص336).
 
كل هذه التصرفات والأقوال التي ترد على لسان الراوي إنما هي مفتعلة ولا تقنع القارئ. إنها أقوال المؤلف نفسه، والسبب هو، أن القارئ لا يعرف عن الراوي ولعه الشديد بالسياسة، ولا اهتمامه العميق بالشعر والأدب عموما، و خصوصا شاعرا بعينه.
 
وفيما يخص الشخصية الرئيسية الثانية، جميلة، فأن ما تقوله عن: (هولاء المتخلفون … الحياة تصبح عبثية إن أجبرت على الاقتران بشخص جاهل … الخزعبلات … الناس البسطاء مساكين، يلجأون إلى الغيبيات ص279 ، ص281)، ليس سوى (خطبة) أخلاقية حضارية، طلب منها المؤلف أن تقولها. بالطبع، ما يقوله ناظم وجميلة، أو بالأحرى ما يقوله مؤلف (الغائب الحاضر)، صحيح جدا، أقله من وجهة نظرنا الشخصية. لكننا نتحدث هنا عن عمل روائي وليست مقالات أو بحوث سياسية.
 
ففي النقد الروائي يقال: (المؤلف يخلق، والراوي يروي والشخصية تعيش قصة حياتها. The author creates, the narrator relates and the character lives the story.
ولكي تعيش شخصية روائية حياتها كما ينبغي وتنقذ نفسها والرواية بأكملها من الوقوع بالتبسيط، على الروائي أن لا يفرض أبوته أو وصايته على شخصياته، وعليه أن لا يكتفي بأن يقتنع هو بأقوال وسلوك وتفكير ومشاعر وأحلام وخطط ومشاريع ، شخصياته الروائية، أو أن تقتنع شخصياته وحدها، بل أن يقتنع القراء.
 
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=732573