لا أنتمي إلى ثقافة الحزن واليأس والجزع

29 آب 2021

أعزيكم أيها الأخوة الأعزاء وأعزي نفسي بمصاب أخينا العزيز كمال البصري، فرحيلُه خسارةٌ لا تعوض لنا، نحن أصدقاءه، وهو أيضا خسارةٌ للعراق!

ولكن كلنا سنموت ولا يبقى بعدَنا سوى آثارِنا وأعمالِنا الصالحةِ منها والطالحة. ومن جئنا اليوم لنؤبنَه هو من أهل الأعمال الصالحة فحسب، فكم مشروعٍ عامٍ أسسه، وكم لقاءٍ عقده في بيتِه للتقارب والتباحث والتخطيط والوئام والصلح والأُنس، وكم محاضرةٍ ألقى، وكم مؤتمرٍ نظم! وأنا أعرف لأنه دعاني إلى معظمِها.

تعرفت على كمال البصري عام 1987 في أحد النشاطات العراقية في مدينة غلاسغو التي أقمت فيها مطلع الثمانينيات للدراسة، وكان حينها قد أكمل الدكتوراه حديثا، وكنت مازلت أتابع دراسة البكالوريوس في الاقتصاد. تحدثنا واقفيْن لنصف ساعة تقريبا، وكان لدينا الكثيرُ من المواضيع التي نتحدث بها، ليس أقلها مشتركُنا الأول: الاقتصاد.

 بعد ذلك اللقاء، شعرت بأنني أعرف كمال منذ سنين طويلة، فكمال يدخل القلبَ دون تكلف، إذ كان يُصغي بإنصات ويتفاعل مع الأفكار، ويبتسم ويطلق الطرائف الواحدة تلو الأخرى… كان حريصا جدا على الوقت، وقد اعتاد ألا يضيع دقيقة من وقته. فكان يختصر الزمن ويقصِّر المسافات. وكان سريعَ الخطى في كل أعماله ومشاريعه. كانت طموحاتُه عريضة وأحلامُه كبيرة، وكان مؤمنا إيمانا عميقا بقدرته على تحقيقِها، وقد حقق معظمَها.  

أصبحنا أصدقاء منذ تلك اللحظة، كان يشبهني كثيرا، لكنه كان يفوقني طُموحا وأملا وحماسة وإيمانا بالنجاح. كان دائما يعمل على إنجاز عدة مشاريع في آن واحد، وكنت أعجب بحماسته واندفاعه، وأتساءل (من أين يأتي هذا الرجل بالوقت كي ينجزَ كلَّ هذه الأعمال؟ ومع ذلك يجدُ الوقتَ كي يجمعَ أصدقاءه في لقاءاتٍ في بيته)؟ وكلما دخلت بيتَه وجدتُ فيه أصدقاء أعرفهم، وآخرين لم ألتقِ بهم سابقا، وكانت هناك دائما مائدةٌ عامرة تعدها المرحومة أم مصطفى.  

أتذكر أنني كتبت مقالا مطلع التسعينيات في مجلة العالم رددت فيه على مقال كتبه أحد كتابها وكنت قاسيا في ردي. وذات يوم اتصل بي كمال ودعاني إلى جلسة في بيته في غيلفورد. ذهبت في الموعد المحدد، وعندما دخلت بيته وجدته مليئا بالمدعوين. قادني كمال وأجلسني إلى جانب أحد ضيوفه وقال لي: هذا هو الكاتب الذي هاجمته في مجلة العالم، ثم قال له هذا الرجل الذي كتب ضدك! (يالا حلوها)! وكان موقفا محرجا لي، لكنه كان طريفا بالنسبة لكمال وباقي ضيوفه!

كان كمال منبسط النفس (أو ما يسمى بالإنجليزية: extrovert) فهو لا يتردد في الانفتاح على أي شخص مهما كان مختلفا أو غريبا، ولا يكترث لما يقوله الآخرون عن الشخص، ولا يصدر أحكاما على الآخرين حتى يتأكد بنفسه من الحقائق. لذلك تمكن من أن يؤسس علاقاتٍ واسعةً، حتى أنه أصدر قائمةً طويلة ونشرها بأسماءِ أصدقائه!

للأسف لم يدرجني بينهم وكنت من الاوائل!     

عدنا إلى العراق عام 2003، وكنت قد سبقته إلى الكويت، وقد التقينا مراتٍ عديدةً في الكويت قبل المغادرة إلى بغداد التي سبقني إليها. وعندما التقينا في بغداد، اتصل بي وقال دعنا نلتقي، وكجزء من عادته لتوفير الوقت، قال لي إنني مدعوٌ لعشاء في بيت صديق، فدعنا نذهب معا. وافقت، رغم أنني لم أعرف ذلك الصديق. التقينا ثم ذهبنا إلى بيته وكان بيتا فخما وأنيقا. استقبلنا المُضيف بحفاوة، وكان رجلا وقورا وذا شخصية رصينة ومحببة، وكان يفوقنا سنا. بدأ يحدثنا حول الأوضاع في العراق باعتبارنا جديديْن في البلد، وقال (عليكم أن تراعوا الشعب المظلوم وألا تكرروا الأخطاء التي ارتكبناها نحن البعثيين)! وكي أتأكد، سألته إن كان بعثيا. فقال نعم. ثم سألته (وما هي درجتك الحزبية)؟ فقال كنت عضو فرع!

عندها التفت إلى كمال الذي كان يجلس إلى جانبي وهمست في أذنه (يمعود أبو مصطفى أنت وين جايبنا بنص الليل؟ هذا عضو فرع)؟ فقال لا تهتم هذا خوش رجال! المهم جاءوا بالعشاء وبينما كنا نوشك أن نتناوله، انطفأت الكهرباء وعم ظلامٌ دامس لبرهة قبل أن يشعلوا شموعا! تذمر ابنُه قائلا: إلى متى يا ربي نبقى هكذا؟ لقد كانت الكهرباء أفضل في السابق! فرد عليه والده (عضو الفرع): بابا اسمع، حتى لو تلغى الكهرباء من الوجود، يبقى الخلاص من حكم صدام نعمة فضيلة وعلينا أن نشكر الله عليها! عندها التفت إلي كمال قائلا: (ها يابا مو قلتلك هذا خوش رجال؟)

تمتلئ ذاكرتي بقصص كثيرة عن كمال، كلها جميلة وطريفة ومعبرة، ولكن لا يتسع الوقت لذكرها.

في مطلع هذا العام، رن جرسُ هاتفي وإذا به أبو مصطفى. كان صوتُه هادئا على غير المعتاد، إذ كان دائما ممتلئا بالعنفوان والأمل والتفاؤل. عاتبني أنني لم أسأل عنه أثناء مرضه. فاعتذرت منه قائلا إنني لم أكن أعرف بأنه مريض، وحقا لم أكن أعلم.

طمأنني بأنه يتلقى العلاج ويتعافى تدريجيا، ونصحته كالعادة أن يهتم بصحته وأن يبقى في بريطانيا حتى يشفى كليا، فقال لا أستطيع، سوف أعود إلى العراق بعد تلقي العلاج، فأنا سأموت إن بقيت هنا، عملي في العراق هو حياتي… كانت تلك آخر مكالمة لي مع كمال وبعدها بقينا على تواصل عبر الواستاب، وقد أرسل لي رسالة جميلة نشرتها مع مقال رثيته فيه الأسبوع الماضي وهو منشور على موقعي.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  د. كاظم شبر ود. كمال البصري وحميد الكفائي في بغداد عام 2014

 أنا مكلومٌ أيها الأخوة برحيل صديقي كمال، وليس هناك كلماتٌ يمكن أن تعبر عن فداحة خسارتي الشخصية. أنا شخصيا، لا أنتمي إلى ثقافة الجزع والحزن واليأس، فمازال الموت حقا، علينا ألا نجزع عند موت أيٍ منا، فنحن جميعا فانون والموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة في هذه الحياة (الإنجليز يضيفون إليها الضريبة)!

في كل الأحوال، فإن الحزن يضر الحي ولا ينفع الميت، وكما ورد في الحديث (فمن عزّى بعد ثلاث فقد جدد المصيبة)!

عاش كمال سبعين عاما تقريبا، ويجب ألا نتوقف فقط عند يومِ رحيله الأليم. مع أن المعري يقول:

إنّ حزناً في ساعة الموت أضعافُ سرورٍ في ساعة الميلاد

تعبٌ كُلّها الحياةُ فما أعـجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد

ولكنْ، هناك سبعون عاما من الإنجازات والعمل الدؤوب والسعادة والفرح والنجاح. علينا أن نتذكر الجمال والنجاح الذي حققه كمال خلال حياته التي كانت ناجحة بامتياز في كل المجالات التي خاضها. وكنت دائما أقول له أنت يا كمال تقترب من الارتقاء إلى معنى اسمك.

هناك طرق نافعة وناجعة للتعبير عن الوفاء للراحلين، منها مواصلةُ مشاريعِهم غير المكتملة، وكل الذين يموتون مبكرا يتركون وراءهم مشاريع غير مكتملة، خصوصا الطموحين منهم، وكمال لا حدود لطموحه وقد مات مبكرا.

المعهد العراقي للإصلاح الاقتصادي الذي أسسه كمال قبل 17 عاما، يؤدي عملا نافعا في العراق، لذلك يجب أن نحرص على استمراره، لأنه نافع ولأنه يحمل اسم كمال.

يمكننا أن نقيم مشاريع جديدة ونطلق اسمه عليها. ويمكننا أن ننظم محاضرة سنوية عن موضوع يهم المجتمع ونطلق عليها اسم كمال. أدعو أخي مصطفى كمال البصري لأن يؤسس اعتبارا من العام المقبل: “محاضرة كمال البصري”The Kamal Al-Basri Lecture  

على غرار The Richard Dimbleby Lecture

 ختاما أصدقائي أقول:

 أرقد بسلام أبا مصطفى فقد قدمت كل ما استطعت، وعشتَ حياةً لم تألفْ الهدوء. نم مبتسما وسعيدا، فقد أنجزت مَهمَّتك في الحياة، ولم تبخل على كل من مر في طريقك، بجهدٍ أو وقتٍ أو مالٍ أو كلمةٍ طيبة. كنت نجما مشعا مر سريعا في سمائنا، ولو بقيت عشرَ سنواتٍ أخرى أو عشرين، فما كانت لتكفي لتحقيق كل ما أردت إنجازه. ولو كان في اليوم 48 ساعة لطلبت المزيد كي تحقق وتنجز أكثر.

كنت نسمةَ عبقة هبت علينا وغمرتنا بعطرها.

شكرا لك كمال أنك أعطيتنا كل ما لديك، وما أعطيتَه كان وفيرا وغزيرا. وشكرا أنك سعيت لخيرِنا ونفعِنا وحققت في وقت قصير ما لم يستطعه كثيرون.

 سنبقى نتذكرك لسنين مقبلة، فمآثرُك شاخصةٌ أمامنا، وأثرُك راسخ لن تمحوَه السنون. سأتذكر تلك اللقاءات الجميلة والأحاديث العذبة والطرائف المرحة والمكالمات الصريحة والمجادلات الحامية والروح الرياضية العالية التي تعاملت بها مع الأحداث والآراء.

سنبقى نراك في مصطفى ومروان وزينب، فقد أحسنت تربيتَهم وأغدقت عليهم من كرم روحِك وسمو أخلاقِك ما يكفيهم مدى الحياة:

أقول لك ما قاله الجواهري قبل 75 عاما:

لاقيت ربكَ بـ “الضميرِ” وأنرتَ داجيةَ القبورِ
وأشعتَ في الأبدِ البهيمِ، طلاقةَ الأبدِ المنيرِ

(كمالُ) نم فوق التراب فلست من أهل الحرير

وداعا كمال والبقاء في حياتكم جميعا

حميد الكفائي