“الانتخابات” الإيرانية وتدوير المناصب

سكاي نيوز عربية 16 أيار 2021

لا أحد يخسر بين قادة النظام الثيوقراطي القروسطي الإيراني، فكل منهم يجد له منصبا بعد انتهاء ما اصطلح على تسميته بـ “الانتخابات”، التي تتكرر كل أربع سنوات ولا تأتي بتغيير حقيقي في الحكومة أو السياسة.

 التنافس الانتخابي في إيران يجري ضمن فئة واحدة فقط، هي فئة المؤمنين بولاية الفقيه، وهذا ما يشترطه الدستور الإيراني، أما الآخرون فهم خارج اللعبة كليا، بل يتعرضون للقمع والإقصاء في أحسن الأحوال.

المتنافسون في هذه الانتخابات، التي ستجري في 18 حزيران/يونيو المقبل، هم وزير الصناعة والمعادن السابق، ونائب الرئيس الحالي، إسحاق جهانغيري، ورئيس البرلمان السابق والمستشار الحالي للولي الفقيه، علي لاريجاني، وهما، وإن اختلفا قليلا في توجهاتهما، لكنهما ينتميان إلى الجناح “المعتدل”، الذي يطلق على نفسه صفة “الإصلاحي”، والذي يتزعمه حاليا الرئيس المنتهية ولايته، حسن روحاني.

 أما الجناح المتشدد أو “المحافظ” في النظام الإيراني، فقد رشح عنه الرئيس السابق لدورتين، محمود أحمدي نجاد، الذي فشل في الحصول على أي منصب بعد مغادرته الرئاسة عام 2013، إثر خلافه مع المرشد الأعلى، ومرشح الرئاسة الخاسر السابق، ورئيس السلطة القضائية الحالي، إبراهيم رئيسي.

الخاسر في “الانتخابات” الإيرانية ليس خاسرا في الحقيقة، فهو جزء من النظام ويساهم في دعمه وإدامته وتبرير مواقفه، وهناك دائما منصب ينتظره، إن كان الولي الفقيه راضيا عنه، فهو الذي يمسك بالسلطة الحقيقية ويوزع المناصب على أتباعه.

قادة النظام الإيراني لا يتغيرون، بل يتنقلون بين المناصب، والانتخابات هي مجرد ذريعة لنيل الشرعية، انطلت لفترة من الزمن على بعض فئات الشعب، لكن الإيرانيين اكتشفوها بمرور الزمن، وثاروا عليها عام 2009، عندما “فاز” أحمدي نجاد لدورة ثانية، لكن المرشد الأعلى أمر بقمع المحتجين، الذين كان يقودهم مير حسين موسوي ومهدي خروبي، وثبَّت حليفه نجاد في الرئاسة لولاية ثانية، رغم الاحتجاجات الواسعة على إعادة انتخابه.

كانت الاستطلاعات حينها تشير إلى فوز ساحق لموسوي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء أثناء رئاسة خامنئي في الثمانينيات، وكان يعتبر من المتشددين حينها، لكنه انتقل بسهولة من صفوف المتشددين إلى صفوف المعتدلين، وهذا مألوف جدا في النظام الإيراني، ومثيله النظام العراقي الحالي، فقد فعلها كثيرون قبله، منهم مثلا وزير الداخلية المتشدد سابقا والمعتدل لاحقا، علي أكبر محتشمي، الذي أسس (حزب الله اللبناني) حينما كان متشددا، أثناء توليه منصب وزير الداخلية في حكومة خامنئي. لكنه أصبح “إصلاحيا” بعد خلافه مع أحمدي نجاد، الذي اتهمه بالعمل على إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، ما دفع البرلمان الموالي للمتشددين، إلى إقالته من رئاسة “لجنة دعم الانتفاضة الفلسطينية” عام 2010، وانتهى به الأمر في البراري السياسية.

الرئيس الإيراني المنتخب الأول، أبو الحسن بني صدر، الذي صوت له أكثر من 75% من الناخبين، هرب من إيران بعد عام وخمسة أشهر فقط على انتخابه، بعد أن عزله الخميني، وظهر فجأة في باريس حليق الشاربين، ما يعني أنه غيَّر ملامحه لتسهيل عملية الهرب، ثم أصبح معارضا عنيدا للنظام الذي انتخبه رئيسا قبل عام ونيف.


وبعد بني صدر، انتخب النظام رئيس وزرائه المتشدد، محمد علي رجائي، رئيسا للجمهورية، والذي قُتل بعد أربعة أسابيع فقط على انتخابه، في حادث تفجير من تدبير منظمة مجاهدي خلق، وقُتل معه رئيس وزرائه، محمد جواد باهونر، الأمر الذي مهد الطريق لإمام جمعة طهران، علي خامنئي، ليصبح رئيسا للجمهورية.

وخلال رئاسة خامنئي للدولة، اشتد الخلاف بين المتشددين بزعامة خامنئي، والإصلاحيين برئاسة رفسنجاني، وكان الرجلان يذهبان بخلافاتهما إلى الولي الفقيه الأول، الخميني، الذي له القول الفصل، وكان دائما يحكم لصالح “الإصلاحي” رفسنجاني، الذي كان حاذقا في إقناع الآخرين بوجهة نظره، حتى أنه تمكن من إقناع الخميني بضرورة وقف الحرب مع العراق، فأعلن قراره الشهير بـ”تجرع السُم” ووقف الحرب في 17 تموز 1988، لتتوقف الحرب فعليا في 8/8/1988.

وبعد رحيل الخميني، تحول خامنئي من رئيس للجمهورية إلى الولي الفقيه، بعد أن عزل الخميني قبيل مماته بقليل خليفته المتوج، حسين علي منتظري، بينما انتقل رفسنجاني من رئيس لمجلس الشورى، إلى رئيس للجمهورية بعد أن “فاز” في الانتخابات التي نافسه فيها علي شيباني. وشيباني هذا لم يوجه لرفسنجاني أي انتقاد أثناء الحملة الانتخابية، سوى قوله إنه “أفضل رئيس لمجلس الشورى وعليه أن يبقى في منصبه”!

وبعد دورتين رئاسيتين، خرج رفسنجاني من الرئاسة، لكن النظام أوجد له منصبا رفيعا آخر، غير موجود في أي نظام على وجه الارض، ألا وهو “رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام”، أي أنه يحدد مكامن الخلل في التشريعات والأخطار التي تتهدد النظام، وأين تكمن مصلحته! بعبارة أخرى أنه يمتلك صلاحيات لا حدود لها سوى صلاحيات الولي الفقيه نفسه، وكان بمثابة اقتسام للسلطة بين قطبي النظام، رفسنجاني وخامنئي. وقد بقي رفسنجاني في ذلك المنصب حتى مماته، فخلفه محمود شاهرودي، الذي كان قبلها رئيسا للسلطة القضائية.

مجلس الشورى، الذي يفترض بأنه منتخب من الشعب ليكون أعلى سلطة تشريعية في البلاد، لا تتحول تشريعاته إلى قوانين نافذة حتى يقرها مجلس صيانة الدستور! وهذا الأخير هو مجلس غير منتخب، يتألف من 12 شخصا، يعيِّن المرشد نصفهم، بينما يعين النصف الآخر رئيس السلطة القضائية، الذي يعينه المرشد أيضا! بعبارة أخرى، أن الولي الفقيه يتحكم بمجلس صيانة الدستور الذي يتحكم بتشريعات البرلمان المنتخب!

لعب مجلس صيانة الدستور دورا معرقلا لدور مجلس الشورى، لذلك برزت الحاجة لتشكيل “مجمع تشخيص مصلحة النظام”، غير المنتخب هو الآخر، كي يبت في الخلافات بين المجلسين، ويتخذ القرار النهائي الذي يحيله إلى المرشد الأعلى ليصدِّق عليه.

وصلاحيات المرشد شاملة، فهو من يعين ويعزل أعضاء مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ورئيس السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والقيادات العسكرية العليا في الجيش والحرس الثوري والأمن الداخلي. كما يتولى القيادة العامة للقوات المسلحة والحرس الثوري، وله حق عزل رئيس الجمهورية (المنتخب)!

الانتخاب لا قيمة حقيقية له أمام سلطة المرشد الذي يتحكم بمجلس الشورى (المنتخب) عبر مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام (غير المنتخبين)، بينما يمتلك سلطة عزل رئيس الجمهورية. كما يتحكم بالترشح للانتخابات عبر مجلس صيانة الدستور الذي يجب أن يقر كل المرشحين ويتأكد بأنهم جميعا مؤمنون بنظام ولاية الفقيه ومخلصون له.

أما مجلس خبراء القيادة، الذي أنشئ في عهد الخميني، ومَهَمَّته اختيار الولي الفقيه، فإنه يُنتخَب لفترة 8 سنوات من مختلف المحافظات الإيرانية، ويحق لأعضائه، الستة والثمانين، ومعظمهم رجال دين، تولي مناصب أخرى إضافة إلى عضويتهم في المجلس. ويجتمع مجلس الخبراء مرة في العام، وهو في الحقيقة يسير وفق هدي المرشد الأعلى ولا يخالفه مطلقا، أو على الأقل هذا ما حصل حتى الآن.

المنافسة الحقيقية ستكون بين إسحاق جهانغيري، من الجانب الإصلاحي وإبراهيم رئيسي من الجانب المحافظ. ورغم أن أحمدي نجاد مازال يتمتع بشعبية بين الفقراء، وهي الشريحة التي يمكن أن تصوت للمحافظين، إلا أن مجلس صيانة الدستور قد لا يُقِر ترشحه، ما يترك ساحة المحافظين لرئيسي كليا.

لكن نجاد أعلن أنه وأتباعه لن يصوتوا لأي مرشح إن مُنع هو من الترشح، ما يحرم رئيسي من عدد كبير من الناخبين المحافظين الذين ربما يصوتون لمنافسه (الإصلاحي). كما أن شبهة المشاركة في حملة إعدامات جماعية بحق السجناء السياسيين، قد تدفع كثيرين للتصويت ضده، ولن تنفعه الآن أي تبرئة قضائية، لأنه يتولى شخصيا رئاسة السلطة القضائية.

المرشح الوسطي (المعتدل)، علي لاريجاني، يتمتع بقدرات سياسية وإدارية جيدة، وقد امتلك خبرة واسعة في المفاوضات الدولية، إذ كان المفاوض الرئيسي في ملف إيران النووي، وكان إلى عهد قريب رئيسا للبرلمان، واستخدم سلطته لدعم الرئيس (الإصلاحي) روحاني. لكن لاريجاني لا يمثل الإصلاحيين ولا المحافظين، فهو قريب من الجانبين، ما يقلل من فرص فوزه في انتخابات تتميز باستقطاب شديد بين أركان النظام الذي شاخ ولم يستطع أن يجدد نفسه حتى الآن، ما يجعل احتمالات سقوطه قائمة في حال تعرضه لهزة سياسية أو اقتصادية.

من أغرب الترشيحات في الانتخابات الإيرانية، هو ترشح السجين السياسي السابق، مصطفى تاج زادة، الذي تحدى سلطة الولي الفقيه، وطالب علنا بإلغاء إلزام النساء بالحجاب. لكن مجلس صيانة الدستور سيمنعه على الأرجح من الترشح باعتباره “غير مؤمن بنظام ولاية الفقيه”!

جهانغيري يعترف علنا بأن ثقة الإيرانيين بالنظام السياسي تزعزعت كثيرا وأن الناخبين لم يعودوا يثقون بأن أصواتهم يمكن أن تُحدِث تغييرا في النظام السياسي، لكنه يضيف أن لا سبيل للتغيير سوى الانتخابات! معظم الإيرانيين، بمن فيهم رجال الأعمال، يلقون باللائمة على حكومة روحاني، التي خدم فيها جهانغيري نائبا للرئيس، على الأداء السيء للاقتصاد الإيراني خلال السنوات الثماني المنصرمة، ما قد يؤثر على فرص انتخابه، خصوصا مع عزوف الناخبين عن التصويت وتوفر مرشح “معتدل” آخر هو علي لاريجاني، الذي لم يشارك في تلك الحكومة. 

أما رئيسي، الذي يتمتع بتأييد الحرس الثوري، المصنف أمريكيا بأنه منظمة إرهابية، فقد وعد برفع العقوبات الأمريكية والدولية التي ترزح تحتها إيران منذ سنين. ولكن على الأكثر لن يصدِّقه أحد، فالمتشددون وسياساتهم غير المدروسة وسعيهم نحو التسلح غير الضروري، وتدخلاتهم في شؤون الدول الاخرى هي السبب في عزلة إيران وفرض العقوبات عليها.

من الصعب على أي مرشح أن يفوز في الجولة الأولى، إلا إذا حصل على أكثر من 50% من الأصوات، وهذا مستبعد. لذلك ستكون هناك جولة ثانية بين المرشحيْن اللذيْن أحرزا أكثر الأصوات. من غير المرجح أن يفوز رئيسي لأسباب كثيرة، منها تأريخه المشوب بالشكوك، وكونه من المتشددين القريبين من الولي الفقيه، ورئاسته للسلطة القضائية التي تساهم في قمع الحريات العامة والخاصة. لذلك فإن أحد المرشحيْن الآخريْن، جهانغيري أو لاريجاني، سيفوز على الأرجح في الرئاسة في الجولة الثانية! ولكن ما جدوى هذا الفوز إن كان الولي الفقيه هو من يتحكم بالسياستين الداخلية والخارجية؟

أبرز المرشحين لخلافة خامنئي (82 عاما) في منصب الولي الفقيه هو إبراهيم رئيسي، فهو إن لم يفُز بالرئاسة هذه المرة، فإنه على الارجح سيصبح الولي الفقيه والمتحكم الفعلي بالدولة الإيرانية، إن لم يتعرض النظام إلى اهتزاز شديد يطيح به أو يجبره على إصلاح نفسه.

ستبقى الانتخابات الإيرانية منافسة بين أركان النظام القائم، وعملية تدوير للمناصب فحسب. الإيرانيون أنفسهم لم يعودوا يثقون بها، كما اعترف بذلك أبرز المرشحين، نائب الرئيس إسحاق جهانغيري. لكن عزوف المعارضين عن التصويت، سوف يأتي برئيسي رئيسا، لينفذ سياسات الولي الفقيه دون اعتراض. خلاصة القول إن أمام الشعب الإيراني خيارين أحلاهما مر.

https://www.skynewsarabia.com/blog/1437748-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%AF%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%A8