عبد الرزاق الصافي يترجل

لا أتذكر بالضبط متى تعرفت على الراحل عبدالرزاق الصافي، ولكن مر على الأقل ثلاثون عاما على معرفتي به. كان دائما يشدني إلى حديثه البليغ والرشيق والموضوعي الذي يدلي به في مداخلاته أثناء المحاضرات والنشاطات العراقية في بريطانيا. ولكن، أتذكر بالضبط متى بدأت العلاقة الشخصية بيني وبينه ومتى جلسنا معا وتحدثنا حديثا ثنائيا.

كان ذلك في منتصف التسعينيات عندما دخلنا أنا وصديق مطعما عراقيا شعبيا (دايانا كافيه) في محلة (نوتينغ هيل غيت) الشعبية غربي لندن. لم أنتبه لوجود أحد من معارفي في المقهى. جلست مع صديقي في زاوية من المقهى وتناولنا الطعام وأمضينا حوالي الساعة، وعندما اردنا أن ندفع الحساب قبل المغادرة، قال لنا صاحب المطعم (حسابكم واصل)! وأشار إلى شخص جالس بعيدا في إحدى زوايا المقهى، وكان ذلك الشخص عبد الرزاق الصافي!

كنا قد نسينا هذه العادة العراقية الاصيلة تماما ولم نمارسها إلا نادرا لكن الصافي لم يتخلَ عنها على ما يبدو رغم وجوده لعقود في بيئة أخرى. ذهبنا أنا وصديقي إلى طاولته وسلمنا عليه وجلسنا معه لبرهة من الزمن نتحدث حول قضايا كانت تهمنا في وقتها. ومنذ تلك اللحظة أصبحت علاقتي بعبد الرزاق الصافي شخصية بعد أن كانت عامة. كان أبو مخلص متواضعا إلى أبعد الحدود رغم كونه سياسيا بارزا ومثقفا وكاتبا معروفا. لا يتردد في حضور المناسبات والمحاضرات مهما كانت غير مهمة في نظر البعض. سألته ذات يوم عن الزعيم المحتمل للحزب الشيوعي عندما يتقاعد حميد مجيد موسى، فسمى لي عدة أشخاص أتذكر أن رائد فهمي كان كان أحدهم، والشخص الآخر الذي ذكره كان حسان عاكف.

وفي تموز من عام 2015 دعاني المركز الثقافي العراقي في لندن لإحياء أمسية ثقافية تحدثت فيها عن تجربتي الشخصية. كان أبو مخلص حاضرا فيها وقد شعرت حقا بسعادة غامرة أن يأتي أبو مخلص لذلك النشاط الذي كان حافلا بالشخصيات الثقافية التي أتذكر منها زهير الجزائري وعدنان حسين وسميرة المانع وأسامة الجمالي وفائق الشيخ علي وصفاء الصالح وكريم عبد وآخرون.

جاءت قنوات فضائية إلى الأمسية لتغطيتها، وقد رأيت عن بعد أبا مخلص متحدثا إلى قناة العراقية. وحرصت أن أشاهد الأخبار في اليوم التالي كي أعرف ماذا قال وقد بثت القناة مقابلة معه ومع آخرين وقد تحدث عني وكأنه يعرفني منذ الصغر. كم سعدت بأن عملاقا سياسيا وثقافيا كعبد الرزاق الصافي يذكرني بخير. عند سماعي الخبر الأليم برحيله يوم أمس، تذكرت المناسبات التي جمعتنا في العقود المنصرمة وتذكرت أحاديثه. بحثت عن صورة تجمعني به فلم أجد رغم لقاءاتنا الكثيرة في المناسبات العامة والخاصة.

سنفتقد موضوعيته وحميميته وتواضعه الجم وإنسانيته الطاغية على كل تصرفاته. وداعا أبا مخلص.

حميد الكفائي