هل يشكّل طارق نجم الحكومة العراقيّة المقبلة؟

الحياة  29 يوليو 2018

قد ينتمي القيادي في حزب الدعوة الإسلامية العراقي، الدكتور طارق نجم عبدالله، إلى صنف نادر من السياسيين. فعلى رغم انتمائه الى حزب سياسي لأربعةعقود، وانتخابه لقيادته منذ مطلع الألفية الثالثة، إلا أنه لم يسعَ يوماً الى شهرة أو منصب، فلم يجرِ مقابلة صحافية واحدة، ولم يدلِ بتصريح سياسي مطلقاً، وحتى محاضراته السياسية، على قلتها، لم تتجاوز مستمعيها.

تعرّف العالم على طارق نجم عام ٢٠٠٦ كرئيس لمكتب رئاسة الوزراء، وهو بحق المنصب الثاني في الدولة بعد رئيس الوزراء، أو هكذا جعل منه طارق نجم، تماماً كما حوّل ستالين منصب «السكرتير» إلى زعيم الحزب الشيوعي. أمضى طارق في المنصب أربع سنوات وكان فاعلاً وحاسماً في أهم القضايا في تلك المرحلة، وإليه دون غيره، يُعزى نجاح حكومة المالكي الأولى. حظي طارق بثقة الأطراف السياسية العراقية جميعها، إضافة إلى دول أخرى إقليمية ودولية، وقد استعانت به حكومتا المالكي والعبادي، حتى بعد مغادرته المنصب، لمعالجة الانسدادات السياسية وفتح حوارات مع الأحزاب السياسية. المرجعية الدينية هي الأخرى تثق به وربما تحبذ أن يتولى رئاسة الوزراء، لكن العقبة أمام تولي طارق نجم رئاسة الوزراء هي طارق نجم نفسه. فقد رفضها عام ٢٠١٤ عندما كان الخيار الأول للمنصب، ورفضها عام ٢٠١٠، عندما طرح اسمه بديلاً للمالكي عندما تعثرت مساعي حصوله على ولاية ثانية.

يذكّرني طارق نجم بجاك ديلور، رئيس المفوضية الأوروبية وأحد مؤسسي الاتحاد الأوروبي، حينما طلب منه الحزب الاشتراكي الفرنسي أن يترشح لرئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية فرانسوا ميتران، لكن ديلور رفضها قائلاً إنه وعد زوجته بأنه لن يتولى منصباً بعد انتهاء رئاسته المفوضية. حاول زعماء الحزب الاشتراكي إقناعه بأن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه سيفوز على المرشحين الآخرين، جاك شيراك وإدوارد بلادور، لكنه أصر على التقاعد زاهداً برئاسة دولة عظمى. وفعلاً خسر الحزب الاشتراكي وفاز جاك شيراك بالرئاسة. وقبل ذلك بعقدين، كان لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق، هارولد ويلسون، موقف مماثل عندما قرر التقاعد عام ١٩٧٦متجاهلاً مناشدات حزب العمال بأن استقالته تعني خسارة الحزب في الانتخابات المقبلة. لكن ويلسون مضى في خطته واستقال في عيد ميلاده الستين، فخسر العمال في انتخابات عام ١٩٧٩ التي فازت فيها مارغريت ثاتشر.

 

التقيت بطارق نجم مرتين، الأولى في بيته في لندن عام ٢٠٠٦، والثانية في السفارة العراقية في واشنطن عام ٢٠٠٧. وفي كلا اللقائين، وجدته مستمتعاً بالاستماع الى محدثيه ومقلاً في كلامه. حدثته في لقائي الأول عن مشاكل الحكومة، وقلت له إن إحدى معضلاتها هي سعي أطرافها الى إضعاف بعضها بعضاً، وشرحت له كيف أضعف آخرون موقفي وعرقلوا عملي بينما يفترض بهم أن يكونوا داعمين. وفي نهاية اللقاء، تحدث طارق بكلمات قليلة مفادها «انسَ الماضي ودعنا نركز على المستقبل». ثم أخرج ورقة صغيرة من جيبه وكتب عليها اسمه ورقم هاتفه ثم سلّمها إلي قائلاً: «تعال إلى بغداد واتصل بي وسنعمل على تصحيح الأخطاء». لم آخذ بنصيحته ولم أذهب إلى بغداد.

يقول المقربون من طارق إنه إداري من الطراز الأول، لا يمل من العمل، يقول ويفعل، ولا ينسى واجباته أو يهملها مطلقاً، يفي بوعده ويصدق عهده، نزيه ومنصف، وفي الوقت نفسه ليس طوباوياً بل واقعي وبراغماتي عند الضرورة. استقال طارق من منصبه عام ٢٠١٠ على إثر خلاف مع المالكي حول كيفية إدارة الدولة، فتفرغ تماماً للعمل الحزبي. وفي فترة قيادته تنظيمات الحزب، تمكن من توسيع عضويته بين الشباب، ومعظم هؤلاء، وقد تحدثت إلى بعضهم، يؤمنون بجدارته وأهليته لقيادة البلد.

أخفق طارق حتى الآن في إصلاح الشرخ في قيادة الدعوة الذي وقع عام ٢٠١٤، إثر ترشح العبادي لرئاسة الوزراء بديلاً عن المالكي. فظلت الخلافات تعصف بالحزب حتى انتهى به الأمر لأن يقدم قائمتين انتخابيتين متنافستين في الانتخابات الأخيرة، إحداهما بزعامة العبادي والأخرى بزعامة المالكي، وكانت النتيجة خسارة آلاف الأصوات وفشل كلتا القائمتين في أن تشكل الكتلة الأكبر. لكن طارق بقي يحظى باحترام كبير بين شقي الحزب المحتربين، وقد يمكِّنه هذا الموقع من توحيد الحزب بقائمتيه، شريطة أن يتفق العبادي والمالكي على التنحي خدمة للحزب. لو اتفق قادة الدعوة على تولي طارق نجم القيادة، فإن الحزب سيتوحد ويحتفظ برئاسة الوزراء، لأن قائمتيه، إن توحدتا، ستشكلان معاً الكتلة الأكبر. وفي خلاف ذلك، فإن الحزب لا يبتعد من السلطة فحسب، بل يسير نحو التشتت والضعف. وعلى رغم أن الكتلة الأكبر حالياً، “سائرون”، بزعامة مقتدى الصدر، تقبل بالتحالف مع العبادي، لكنها ترفض أي دور للمالكي في الحكومة المقبلة. لكن قبول الصدر بالعبادي حليفاً، لا يعني قبوله رئيساً للوزراء.

لن يتوحد جناحا حزب الدعوة مطــلقاً إن تُرك الأمر للمالكي والعبادي، فهما خصمان لدودان لن يقبل أحدهما بالآخر. الأول يتهم الثاني بالتآمر والضعف، والثاني يتهم الأول بالفشل وتبديد ثروة العراق، وإن لم تكن هذه الاتهامات صريــحة فإنــها واضحة. لن يسعى المالكي إلى رئاسة الحكومة لأسباب كثيرة، لكن تنازله للعبادي مستبعد إلا إذا ضمن عدم ملاحقته قانونياً بتهم الفساد. لقد استنفد العبادي طاقته وقدراته خلال الأعوام الأربعة الماضية، وليس هناك ما يمكنه تقديمه في الفترة المقبلة. نجح في قيادة الحرب على داعش، لكنْ لهذا النجاح آباء كثيرون، عراقيون وأجانب. إن شكّل العبادي الحكومة المقبلة فإنها ستكون ضعيفة، بل أضعف من الحكومة الأولى. وإن شكلها طارق فإنها ستكون أقوى وأكثر حزماً لما يتمتع به من مقـــبولية واحترام كبيرين في الأوساط السياسية. هل سيـــــغير طارق رأيه ويتصدى لرئاسة الوزراء؟ نعم سيفعل، لكن عندما يحظى بإجماع من شقي الحزب ويمهد له الزعيمان الطريق بالتنحي. إن لم تحصل تسوية بتنحي الزعيمين، فإن حزب الدعوة سيخسر رئاسة الوزراء ربما لفترة طويلة، تماماً كما خسر حزب العمال في بريطانيا عام ١٩٧٩ والحزب الاشتراكي في فرنسا عام ١٩٩٥.

حميد الكفائي

http://www.alhayat.com/article/4594762/رأي/تيارات/هل-يشكل-طارق-نجم-الحكومة-العراقية-المقبلة