الحياة، ٢٤ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٧ 

لم يبقَ سوى ستة أشهر تقريباً على موعد إجراء الانتخابات المقبلة في العراق، والتي لا بد من أن تُجرى في الموعد المحدّد دستورياً، لأنه ليس هناك أي سند دستوري يبيح التأجيل. نعم، هناك أطراف عدة تريد التأجيل لأنها خائفة من احتمالات الانتخابات وترغب في تمديد فترة الوضع الحالي لتحقيق المزيد من المكاسب. لكن التأجيل ليس في صالح رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يرجح أن يكون الأوفر حظاً في الانتخابات المقبلة لأسباب كثيرة.

لقد تمكن العبادي خلال ثلاث سنوات من تحقيق إنجازات مهمة على الأصعدة كافة، فتمكّن من دحر الإرهاب واستعادة المناطق التي سقطت في أيدي الجماعات الإرهابية في عهد سلفه نوري المالكي، ومكّنته الحاجة الماسة إلى الدعم الدولي من أن ينسج علاقات متطورة مع الولايات المتحدة في عهد رئيس لم يُبدِ وداً للعرب والمسلمين. كما تمكن من كسب الاتحاد الأوروبي إلى جانبه، خصوصاً الدول الثلاث الكبرى، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى بريطانيا، إذ أصبح التعاون معها معتاداً وممنهجاً. وتمكّن من تحسين علاقات العراق في العالم العربي، خصوصاً السعودية ومصر، التي ساءت كثيراً في عهد سلفه بسبب نهجه الانعزالي وانفراده بالسلطة وتعنّته الذي كلف العراق غالياً. إضافة إلى ذلك تمكنت حكومة العبادي من التفاهم مع تركيا وإيران واستقطبت دعمهما للعراق في مرحلة حرجة جداً.

على المستوى الاقتصادي، تمكّن العبادي من إدارة دفة الاقتصاد العراقي بكفاءة واضحة وفي مرحلة تدنت فيها إيرادات العراق إلى ما دون النصف. فقد تمكن من تقليص رواتب المسؤولين الكبار وتمرير قانون التقاعد الذي كان أكثر إنصافاً للناس العاديين إذ جعل الجميع متساوين أمام القانون. كثيرون ظنوا أن العبادي لن يتمكن من دفع رواتب موظفي الدولة ومتقاعديها الذين يقارب عددهم السبعة ملايين، وأنه سيفشل وستسقط حكومته، لكنه نجح عبر اتباعه الإدارة الكفوءة وعدم التفريط بالمال العام ومكافحة الفساد والحصول على قروض ميسرة من المؤسسات الدولية والدول الصديقة، إضافة إلى إقناعه الجهات الدائنة بتأجيل دفع الديون المستحقة على العراق، كما في حالة تعويضات غزو الكويت.

وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي، تمكنت حكومة العبادي من تحقيق الأمن في العاصمة ومعظم المحافظات العراقية ليس بالقوة فحسب، بل بزيادة كفاءة القوى الامنية والتفاهم مع القوى السياسية الأخرى، التي وجدت التعاون مع حكومته مجدياً لتحقيق الأمن بعدما رأت وطنيته وجديته في معالجة مشكلات العراق الحقيقية، خصوصاً بعد أن تيقّنت أن تدهور الأمن سيضر جميع العراقيين على حد سواء، إضافة إلى تهديده الدولة بأكملها. 

أهم إنجاز حقّقه العبادي هو أنه تمكن من طرح نفسه زعيماً عراقياً غير منتمٍ لطائفة بعينها، فأدار العراق كعراقي وتعامل مع العراقيين جميعاً وفق القانون ولم يميّز بينهم، وهذا ما كان العراق يفتقر إليه منذ عهد الزعيم عبدالكريم قاسم. المواطن العراقي يشعر الآن بأنه مواطن في دولة لا تميّز ضده على أساس ديني أو قومي، على رغم أن البلد ما زال يزخر بمسؤولين يمارسون التمييز، لكنهم يعلمون أنهم غير قادرين على مواصلة هذا العمل المشين طويلاً وأن البلد سيلفظهم قريباً.

لقد تمكّن العبادي خلال ثلاث سنوات من تحقيق قبول وطني واسع وأصبح موثوقاً به عربياً ودولياً، وهذه تُسجّل له شخصياً، ولقيادة حزب الدعوة التي ساندته بقوة في هذا المسعى، وكذلك للقوى السياسية التي ساندته لسبب أو لآخر، على رغم أن بعضها سانده، لأنه رأى فيه «زعيماً ضعيفاً» ومهَدَّداً واستغل فعلاً هذا الجانب في النصف الأول من ولايته ومارس الفساد في شكل واسع في الوزارات التي أدارها. لكن العبادي يعرف هؤلاء جيداً وأحسب أنه ينتظر الفرصة المناسبة لتعريتهم، وسوف يحين هذا الوقت في الانتخابات المقبلة.

لكن حزب الدعوة، وهو الحزب الإسلامي الوحيد الذي يمتلك قاعدة شعبية واسعة ولا تقوده عائلة، ما زال منقسماً بسبب بقاء المالكي في زعامته. المالكي لم ييأس من العودة إلى الحكم، سواء في شكل مباشر أو غير مباشر عبر أقاربه وأتباعه المنتشرين في البرلمان والوظائف العامة. وما زال هناك من يؤيده من طاقمه القديم والمستفيدين منه، على رغم علمهم بأنه قاد البلد نحو الهاوية والحرب الأهلية والانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية.

يحتاج الحزب أن يتخذ قراراً حاسماً خلال الأيام المقبلة. فإما أن يبقى منقسماً مقدّماً بذلك صورة غامضة للشعب العراقي في وقت يحتاج فيه الشعب إلى الوضوح والحزم، أو يلتف حول قيادة العبادي، وهو أول زعيم عراقي ناجح إدارياً واقتصادياً وسياسياً في فترة ما بعد 2003. فعلى الحزب أن يطوي صفحة الفشل والطائفية والعزلة والتدهور الأمني والفساد التي رافقت قيادة المالكي العراق. كان يمكن أن تؤدي تلك الإخفاقات إلى تدمير الحزب كلياً وإقصائه عن صدارة الأحداث لولا المبادرة الشجاعة للقيادة بإشراك السيّد السيستاني في مسألة بقاء المالكي في السلطة، بعد أن أدركت بأنه يقود الحزب والبلد نحو الهاوية، الأمر الذي «أقنع» المالكي بالتخلي عن منصبه.

لقد كان المالكي زعيماً فاشلاً بكل المقاييس، وهو لم ينفع إلا نفسه وأقاربه والمتملقين له. صحيح أن له مؤيدين وما زال هناك من يؤمن بأنه «زعيم قوي»، لكن على هؤلاء وغيرهم أن يدركوا أن المستقبل أهم من الماضي، مهما كان ذلك الماضي «تليداً». العبادي قاد البلد نحو النجاح والانفتاح والتماسك الوطني، بينما قاده المالكي نحو الفشل والانعزال والتفكّك. الموقف الوطني لحزب الدعوة ومؤيديه هو الوقوف مع العبادي وتسديده ودعمه بقوة كي يستمر ويبني على منجزاته، وليس التمسك بالماضي وإخفاقاته، بل إن في مصلحة الحزب أن يطوي هذه الصفحة كلياً ويدعو رموزها إلى التقاعد والتواري عن الأنظار لأن وجودهم ليس في مصلحة الحزب ولا العراق.

لا وقت للمجاملات، فالقيادة التي اتسمت بالشجاعة في آب (أغسطس) 2014 مدعوة اليوم لاتخاذ قرار لا يقل خطورة أو شجاعة عن قرارها بإقصاء المالكي عن السلطة، ألا وهو «إقناعه» بالتقاعد كي يسمح للبلد أن يعيش أجواء وطنــية وديموقراطية مستقرة.

حميد الكفائي

http://www.alhayat.com/Opinion/Hamid-Al-Kafaee/26257863/«الدعوة»-أمام-استثمار-نجاح-العبادي-أو-التمسّك-بإخفاقات-المالكي