توني بلير من زعيم يساري إلى قدوة للمحافظين

الحياة، ١٤ يوليو/ تموز ٢٠١٦

لم يكن متوقعاً حينما برز توني بلير في التسعينات كزعيم سياسي كاريزمي حقق شعبية بين البريطانيين بلغت 93 في المئة في استطلاعات الرأي، أن يتحول بعد مغادرته السلطة إلى رمز للخداع في نظر كثيرين، حتى أصبح البعض يتلاعب بأحرف اسمه ليعني الكذاب (liar).

مشكلة بلير لم تكن مساندته الولايات المتحدة في حرب إسقاط صدام حسين عام 2003، لأن أي رئيس وزراء بريطاني آخر، خصوصاً لو كان من المحافظين، كان سيتخذ القرار نفسه، فبريطانيا هي الحليف التاريخي للولايات المتحدة منذ استقلالها عنها قبل مئتي عام، لكن مشكلة بلير أنه ينتمي إلى حزب العمال الذي يهيمن عليه جناح يساري متشدد غالباً ما تسبب بإبعاده عن الحكم لفترات طويلة. ينتمي بلير إلى عائلة اسكتلندية من أصول إنكليزية، وكان والده، أستاذ القانون ليو بلير، ينتمي إلى الحزب الشيوعي، لكنه انتهى عضواً في حزب المحافظين اليميني، ولم يغادره إلا عام 1994 عندما أصبح نجله زعيماً لحزب العمال كي لا يسبب حرجاً له. سار بلير على نهج أبيه فدرس القانون في جامعة أكسفورد، وكان في شبابه موسيقياً ومغنياً ومن المعجبين بمؤسس فرقة «رولينغ ستونز» الموسيقية، مِك جاغر، الذي كان قدوته. وانتمى بلير إلى حزب العمال في السبعينات بعد أن جذبته الأفكار الاشتراكية، وكان متحمساً إذ وافق عام 1982 على أن يكون مرشح الحزب في دائرة بكونسفيلد المحافظة. وبعد هزيمته المتوقعة، ظهر إلى جانبه زعيم الحزب، مايكل فوت، مشيداً بتضحياته ومتنبئاً بأن بلير «سيكون ذا شأن» في المستقبل. وقبيل انتخابات عام 1983، استُحدِثت دائرة سَجفيلد واختير بلير لتمثيل العمال فيها ففاز بجدارة.

توني بلير مع مايكل فوت عام 1979

 

   كان بلير يقود تياراً إصلاحياً في حزب العمال الذي بقي 18 عاماً خارج السلطة بسبب هيمنة اليسار المتشدد على سياساته وأدى إلى انشقاق المعتدلين عنه عام 1981 مشكلين حزباً جديداً هو الحزب الديموقراطي الاجتماعي، بقيادة ما سُمي حينها «عصابة الأربعة» وهم وزراء المالية والخارجية والتعليم والنقل السابقون، روي جنكنز وديفيد أوين وشيرلي ويليامز وبِل روجرز. وبسبب تراجع شعبية العمال، بدأ التيار الإصلاحي فيه يكتسب شعبية وتمكن زعيم الحزب، نيل كينوك، من إجراء إصلاحات حسّنت شعبيته لكنها لم توصله إلى السلطة. وعندما استقال كينوك إثر هزيمته في انتخابات 1992، برز اسم توني بلير بديلاً له، لكنه لم يرشح نفسه بوجود زعماء تاريخيين كجون سميث. لكن وفاة سميث المفاجئة عام 1994 أقنعت العمال بأن الوقت حان لانتقال الزعامة إلى الجيل الجديد، فانتخب بلير قائداً للحزب، وبدأ على الفور بإجراء إصلاحات جذرية وحظي بدعم لم يحلم به أي من أسلافه، إذ تمكن من تعديل دستور الحزب وإلغاء المادة الرابعة منه التي تلزمه بتأميم مصادر الإنتاج، وسط حنق اليسار وصمته. وما ساعد في اتساع شعبية بلير الانقسامات العميقة داخل حزب المحافظين حول موقع بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

 

وفي انتخابات عام 1997، فاز بلير فوزاً ساحقاً، إذ حصل حزبه على 418 مقعداً من مجموع 659 في مجلس العموم. وكرئيس للوزراء، حقق توني بلير إنجازات كبيرة لحزبه وبلده، فقد أوفى بمعظم التزاماته للطبقة العاملة، من تقليص البطالة ورفع مستوى الدخل وفرض حد أدنى للأجور على أصحاب الأعمال، إلى زيادة الإنفاق على الخدمات، خصوصاً الصحة والتعليم، ثم خفض مستوى الجريمة عبر نشر عدد أكبر من الشرطة في الشوارع وتشجيع الأقليات الاجتماعية والدينية والعرقية على المشاركة في إدارة الدولة والسماح لاسكتلندا وويلز بإنشاء مجالس تمثيلية، وحكومة خاصة لاسكتلندة، كما ساهم في تحقيق السلام في إرلندا الشمالية.

وفي السياسة الخارجية، تبنى بلير سياسة التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة والتقارب مع الاتحاد الأوروبي بحيث أخذت القوانين والمعايير والمقاييس الأوروبية تسري في التعاملات التجارية والإدارية البريطانية. كان أسلوب بلير في الحكم رئاسياً وليس برلمانياً، وهناك فرق هائل بين الاثنين. فالرئيس يستمد قوته وشرعيته مباشرة من الشعب، وقد لا يكترث لمعارضة البرلمان لسياساته، معتمداً على تفويض الشعب له، أما رئيس الوزراء فمنتخب من الحزب ومقيد بسياساته، فيما الشعب يفوض الحزب، وليس رئيسه، بإدارة الدولة. وعندما يستقيل رئيس الوزراء قبل انتهاء ولايته، وهذا يحصل دائماً في الأنظمة البرلمانية، فالحزب ينتخب بديلاً له ليقود الحكومة من دون الرجوع إلى الشعب. فبعد استقالة بلير عام 2007، أصبح غوردون براون رئيساً للوزراء من دون إجراء انتخابات، وحدث الشيء نفسه بعد استقالة ثاتشر عام 1990 إذ خلفها جون ميجور في رئاسة الوزراء.

لقد اتبع بلير في الحكم أسلوباً وسطياً وكان محل إعجاب المحافظين أكثر من العمال، وقد اعترف كثيرون من قادة المحافظين بذلك، حتى أن ديفيد كامرون يستشيره باستمرار. وكان خطأ توني بلير أنه نسي أنه رئيس وزراء وليس رئيساً وأنه ينتمي إلى حزب يتحكم به جناح يساري يقدم المبادئ على المصالح. وفي التصويت على قرار الحرب، صوت 139 نائباً عمالياً ضده، ولولا تأييد النواب المحافظين لما مُرِّر القرار، على رغم أن بلير هو من أقنع الرئيس الأميركي بضرورة سلوك طريق الشرعية الدولية، ولولاه لما صدر القرار 1441 في 8/11/2002 الذي هدد باستخدام القوة ضد العراق إن لم يقدم دليلاً خلال 30 يوماً على خلوِّه من أسلحة الدمار الشامل، وعندما عجز عن الإيفاء بهذا الشرط، قررت واشنطن ولندن المضي في قرار إسقاط النظام معتمدتين على القرار 1441 بعد أن أصبح واضحاً أن روسيا وفرنسا لن تسمحا بإصدار قرار جديد يشرِّع صراحة الحرب.

توني بلير، الذي حقق ما لم يحققه زعيم عمالي قبله، وفاز في ثلاثة انتخابات متتالية، أصبح رمزاً للخداع على رغم أن «تحقيق تشيلكوت»، الذي أمر به «رفيقه» غوردن براون، لم يدِنه شخصياً بل دان ضعف المعلومات الاستخبارية والاستعجال في شن الحرب التي وصفها بأنها لم تكن «الخيار الأخير». ليس متوقعاً أن يخضع بلير للمحاكمة لأن رئيس القضاء حينها، لورد غولدسميث، أفتى بشرعية الحرب، لكن الزعيم العمالي (الأسطورة) لم يعد يحظى باحترام اليساريين في حزبه، بينما كان وما زال قدوة للمحافظين.

حميد الكفائي

 

http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/16587569/%D8%AA%D9%88%D9%86%D9%8A-%D8%A8%D9%84%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85-%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8%D9%8A%D9%86