المبادئ الثابتة والمواقف المتغيرة

مجلة الهدى- كانون الأول 2015

مشاكلنا الاجتماعية لا تعد ولا تحصى ولا اعتقد بأنها ستغادرنا في القريب العاجل ولا ينفع معها أي وعظ أو تبشير أو تثقيف مجرد من السلوك والأمثلة الواقعية، بل نحن على الأكثر نحتاج إلى تغيير مناهجنا الدراسية وإعادة النظر في نشاطاتنا الثقافية وبرامجنا التلفزيونية وأفلامنا ومسلسلاتنا التي تنقل لنا التفاهات والسلوكيات النمطية بحجة أنها تعكس (الواقع) وأننا لا يمكننا (التحليق) في فضاء المثاليات.

نعم لا نريد التحليق في الفضاء، فقد سبقنا إلى ذلك المرحوم عباس بن فرناس وسقط ومات بسبب ذلك، ولكن من حقنا أن نحلم بمجتمع سليم معافى تسود فيه المشاعر الإنسانية والرغبة في مساعدة الآخر والإحساس بمشاعره ومواقفه دون تمييز على أساس المعتقد أو العرق أو التوجه السياسي أو الفكري. يأتيك أحدُنا محملا بالأحكام المسبقة عن الأشخاص والجماعات والمذاهب والأديان دون أن يسأل نفسه إن كانت معلوماته صحيحة أم لا أو على الأقل يعطي نفسه حق تقصي الحقائق وعدم الحكم على الأشياء والأشخاص دون أن يتأكد، فالمظلوم الأول من الأحكام المسبقة والتحامل هو مطلق الحكم لا غيره. بعضنا يكون فكرة عن شيء أو شخص لمجرد أنه اقتنع برأي شخص آخر ربما كان متحاملا أو واهما أو غير أمين في نقل المعلومة.

التقيت ذات يوم في دعوة خاصة بإحدى الشخصيات العامة وكانت تلك المرة الأولى التي التقيه فيها. كانت تلك الشخصية (العامة) محملة بالأحكام المسبقة عني وكان ذلك واضحا من تعاملها الفظ معي. لا مشكلة فكل له حق الإيمان بما يريد من الأفكار فنحن في بلد حر ونتمتع بنظام ديمقراطي تعددي، ولكن ليس من حق أحد أن يؤمن بأكاذيب أو يطلق أحكاما لا دليل له عليها. لم أحاول أن أغير رأي صاحبنا لأنني أساسا لا أعرف بماذا يؤمن سوى الشعور بأن لديه نظرة سلبية عني تشكلت عبر السنين! جلسنا في تلك الدعوة الخاصة نتحدث عن الشؤون العامة ودخلنا فيها بعمق، معبرين عن آرائنا وتحليلاتنا للأحداث. شعرت أن صاحبنا بدأ يغير رأيه كلما طالت الجلسة وبعد انتهائها، صافحني بحرارة معترفا بأنه كان قد شكّل فكرة خاطئة عني! إنه اعتراف يُسجل له دون شك، ولكن سألته إن كان قد  سأل نفسه لماذا كوَّن تلك الفكرة الخاطئة عني دون وجود الدليل؟ لم يكن لديه جواب سوى أنه كان يعارض توجهي السياسي (وهو غير موجود أساسا لأنني لست سياسيا). والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كم موقفٍ خاطئٍ كهذا اتخذه صاحبنا سابقا، وكم بريءٍ وقع ضحية لقراراته المبنية على سوء الظن؟

 

لا أبرئ نفسي من هذه العلة وطالما وجدت نفسي أسيرا لتفكير قديم عن أشخاص كانوا قد غيَّروا أفكارهم وتحولوا سياسيا أو فكريا من موقع سابق إلى نقيضه، وهذا من حقهم بل من الضروري أن تكون هناك مراجعة مستمرة للأفكار والمواقف لأن الجمود الفكري هو أصل كل بلية.

أتذكر أنني التقيت بشاعر عربي كنت قد قرأت له شعرا قبل أكثر من عشرين عاما ولم يعجبني لأنه كان تقليديا قليل الإبداع وأن أهم صفة في الأدب هي الإبداع. تحدثنا في الأدب وبينت له رأيي المنتقد لنمط معين من الشعر وهو يشبه النمط الذي قرأته له، ففاجأني بالقول إنه يتفق معي وإن الشعر الذي قرأته له قديم وإنه قد غادره منذ عشرين عاما وطلب مني أن أقرأ نتاجاته الأخيرة!!! اعتذرت له بأنني لم اهتم لنتاجه الأدبي منذ ذلك التأريخ.  

 

الأحكام المسبقة على الأشياء والآخرين ظلم للنفس أولا وللآخرين ثانيا وتضليل للنفس والآخرين في آن، لذلك يجب أن نتجنبها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. من الضروري أن نتحلى بالصبر كي نكتشف الحقيقة عن الآخرين ومواقفهم (المتغيرة) بدلا من القفز إلى استنتاجات خاطئة ستعود علينا بالضرر مستقبلا. يجب ألا ننسى أن الناس يغيرون مواقفهم بمرور الزمن وهذا يحتم علينا أن نبقى منفتحي الأذهان دائما ولا نبني أحكامنا ومواقفنا على ما عرفناه سابقا. الثبات يجب أن يكون على المبادئ الصحيحة وليس المواقف الخاطئة. 

حميد الكفائي