الحياة، ٣٠ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٥   

أظهرت موجات اللاجئين الأخيرة المنطلقة من سورية والعراق وبلدان عربية أخرى إلى أوروبا وأميركا أن دولنا لم تعد قادرة أو مناسبة لعيش الأجيال الجديدة التي تطمح إلى حياة عصرية يتوفر فيها العيش الكريم والحرية والكرامة، وأننا، كمجتمعات، لا نكترث للحداثة والتطور وحقوق الإنسان حتى وإن كان هذا الإنسان مواطناً (أصيلاً) من مواطني دولنا

نحن، كدول ومجتمعات، لم نعِر اهتماماً مناسباً لهذه المشكلة المعقدة التي تعصف بمجتمعاتنا منذ عقود، ‪وبلغت الآن مرحلة خطيرة جداً. وباستثناء سكان دول الخليج العربي، فإن شعوبنا بكل تنوعاتها ترغب في الهجرة إلى بلدان أخرى، بينما لا يتحرك أهل الحل والعقد لاحتوائها ولا يفعلون شيئاً لإبقاء أوطاننا على الخريطة، بل بقوا يتظاهرون بأن كل شيء على ما يرام. دولنا تتظاهر بأن هذه المشكلة طارئة أو غير موجودة أساساً أو أنها من صنع الدول الأخرى التي «تتآمر» على بلداننا «طمعاً» في ثرواتها البشرية والطبيعية أو للنيل من ثقافتنا وديننا، أو، وهذا هو الأسوأ، أن المهاجرين لا يعانون من أي مشكلة حقيقية بل يعيشون في حالة بطر ويبحثون عن حياة أفضل في البلدان المتطورة ويدّعون أنهم مضطهدون أو مهددون وخائفون من الإرهاب من أجل أن يحصلوا على حق العيش في البلدان الأخرى!

ليس من السهل على أي فرد أن يغادر المجتمع الذي نشأ وترعرع فيه، فالمجتمعات المتماسكة لا تغادر أوطانها حتى وإن عانت من أزمات اقتصادية. اليونان تعاني أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات، لكننا لم نشهد هجرة يونانية إلى أوروبا على رغم أن اليونانيين قادرون على الانتقال بسهولة إلى بلدان أوروبا الأخرى، باعتبار أن اليونان عضو في الاتحاد الأوروبي وأن لمواطنيها الحق في العيش والعمل في أي بلد يشاؤون من دول الاتحاد. أزعم أن مواطنينا لا يقلون عن اليونانيين تمسكاً بأوطانهم وثقافاتهم، ولكن عندما تقْدِم العائلات على بيع ممتلكاتها من أجل أن تدفع ثمنها إلى المهربين كي يخرجوها إلى بلد آخر، فهذا يعني أن هناك أمراً خطيراً يحدث في مجتمعاتنا وأن علينا معالجته فوراً.

لقد فشلنا في أن نطور أي وسائل لإقناع مواطنينا بالبقاء في بلدانهم الأصلية حيث امتداداتهم الثقافية والدينية والاجتماعية التي، ويا للأسف، لم تعد تعني الكثير للمهاجرين الباحثين عن الحياة. فالحياة الحرة الكريمة تأتي أولاً في نظر أي إنسان، قبل الروابط الثقافية والعلاقات الاجتماعية. لم تتمكن مجتمعاتنا من الانسجام مع التطورات الحاصلة في المجتمعات الأخرى بل ظلت تتظاهر بأن ما عندنا من قيم ونظم اجتماعية يكفينا ونحن لا حاجة لنا لأن نقتبس أو نتأثر بالثقافات الأخرى، باعتبار أن ثقافتنا أقوى وأرقى وأبقى. لم تتمكن مجتمعاتنا عبر العصور من أن تتقبل ثقافة التطور ومغادرة الماضي وتقبل الثقافات الأخرى أو حتى القبول بالآخر دون الحاجة إلى أن يتغير و «ينسجم» مع ثقافتنا.

لم نستطع أن نتقبل الآخر ونشعره بإنسانيته وبأن ثقافته محترمة ومقبولة عندنا على رغم اختلافها عن ثقافتنا، بل بقينا نصرّ على أننا الأفضل والأصلح والأرقى. لذلك فإن المهاجرين سيواجهون مصاعب كبيرة في التأقلم في المجتمعات التي يهاجرون إليها بسبب ضعف ثقافة القبول بالآخر، إذ قلما قبلت بلداننا بلاجئين من دول أخرى، باستثناء حالات محددة حصلت أثناء الأزمات الإنسانية والحروب، مثل ما حصل للأرمن والفلسطينيين فاستُقبلوا في بعض بلداننا كالأردن وسورية ولبنان والعراق ومصر بين دول عربية أخرى، وعاشوا بيننا مضطرين، ثم غادر كثيرون منهم بعد اشتداد التعصب في مجتمعاتنا.

نحن ما زلنا نتحدث عن «الأصيل» و «الدخيل»، وعلى رغم التعاطف الإنساني الطبيعي الذي أبديناه له، بقي اللاجئ، عنصراً «دخيلاً» في مجتمعاتنا وظللنا نشير إليه بأنه «غريب» ونحيله إلى أصله .قد يقول قائل إن هذا «تجنٍ» على تاريخنا وأننا استقبلنا العديد من الأقوام المهاجرة، نعم حصل هذا واستقبلت بلداننا عدداً من الموجات البشرية، لكنّ المختلفين عنا دينياً وثقافياً وعرقياً غادروا بلداننا، والآن حتى «الأصلاء» أخذوا يغادرون أيضاً. فهل نتجاهل هذه الظاهرة الخطيرة؟ 

قد يكون تعامل البلدان العربية مع القادمين من بلدان وثقافات أخرى مختلفاً، فأحد البلدان استقبل الملايين، بينما استقبلت بلدان أخرى بضع مئات أو آلاف، ومع كل هذا الاستقبال والترحيب، ظللنا نميز بين «الأصلاء» و «الدخلاء»، وفي بعض البلدان كالعراق، أقدمت الحكومة في عهد صدام حسين، على تهجير مئات الآلاف من ذوي الأصول غير العربية إلى إيران على رغم أنهم عاشوا في العراق لعدة أجيال ولا ينتمون لأي ثقافة غير العراقية والعربية. ولم تكتفِ الحكومة بذلك بل صادرت أملاكهم وألقت بشبّانهم في السجون.

هناك بالتأكيد ضرورة لأن تتغير المناهج التعليمية والبنى الثقافية في بلداننا كي تأخذ بنظر الاعتبار تجارب الماضي والتطورات الجارية في المجتمعات الأخرى. غير أن هذه المسألة، على رغم أهميتها القصوى، سوف تستغرق وقتاً طويلاً حتى وإن بدأنا الإصلاحات الآن، لكن مشكلة المهاجرين إلى الغرب تحتاج إلى حلول عاجلة، فالوقوف على التل سيترك آثاراً لا تحمد عقباها على مستقبل الدول والمجتمعات العربية. الإصلاحات الملحة في المناهج الدراسية والخطاب الثقافي والإعلامي والتي كان يجب أن تُدخِلنا القرن الحادي والعشرين وتجعل بلداننا ومجتمعاتنا متصالحة مع بعضها ومنسجمة مع باقي المجتمعات البشرية وقادرة على التفاعل والبقاء، قد تأخرت كثيراً. لكن التأخر لا يعني أن فرصة الإصلاح قد ضاعت وأن علينا الاستسلام لقدرنا، فالفرصة تبقى قائمة وكلما اغتنمناها مبكراً، وفرنا على مجتمعاتنا المزيد من الضرر.

موجات الهجرة الحالية، مهما كانت أسبابها أو رأي البعض بها، تعني أن أوطاننا لم تعد مناسبة أو مؤهلة لاحتضان المجتمعات العصرية حتى وإن قبل كثيرون بنظمها الحالية. إنها تصويت ضد الجمود والتردد وبطء الإصلاحات وال
تمسك بالمألوف والموروث والرضا عن النفس. قادتنا السياسيون ومثقفونا ومفكرونا ورجال الأعمال بيننا مدعوون لأن يتعاملوا مع هذه المسألة بإلحاح، فالانتظار لم يعد خياراً مقبولاً لأننا سنضطر إلى إجراء الإصلاحات في قادم الأيام ولكن ربما بعد فوات الأوان.

 http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/11804096/الإصلاحات-ضرورية-لبقاء-مجتمعاتنا-على-الخريطة