حميد الكفائي

قانون الشبكة ليس فوق الدستور والقوانين الأخرى

المسودة المطروحة لمشروع قانون شبكة الإعلام العراقي التي ناقشتها لجنة الثقافة والإعلام في جلسة استماع الشهر الماضي والتي دُعي إليها العديد من الإعلاميين والمعنيين بالشأن الإعلامي، تشوبها التباسات ومكامن غموض كثيرة وتفتقر إلى الدقة في كثير من المواضع مما يجعلها حمالة أوجه وعرضة لتفسيرات مختلفة ومتباينة، هذا فضلا عن وجود بعض التناقضات الواضحة فيها وتركِها لبعض المجالات دون أن تقدم تفصيلاتٍ بشأنها ما يفتح الباب مستقبلا أمام الوقوع في مطبات ومآزق تنجم عن وجود تفسيرات واجتهادات شتى.

وتتعارض هذه الثغرات في مسودة مشروع القانون مع الحاجة لأن يتسم القانون بالدقة والوضوح والشفافية من جهة، والشمولية والإحاطة والتكامل من جهة أخرى. ودعوني أتناول مواد القانون مادة مادة مع إهمال غير المهمة منها. 

المادة 1 أولا تحدد الاسم وهو شبكة الإعلام العراقي. إن كان لابد من استخدام هذا الاسم الذي اختاره الأمريكيون على عجل عام ٢٠٠٣ وترجم خطأ، فإنه يجب أن يكون “شبكة الإعلام العراقية” باعتبار أن صفة (العراقية) تعود على  الشبكة وليس الإعلام، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون الشبكة ممثلة لكل الإعلام العراقي. شخصيا، اقترح أن يكون الاسم “هيئة الإعلام العراقية” أو “الهيئة العراقية للإعلام” وتكون هيئة مستقلة كباقي الهيئات المستقلة الأخرى وذلك لأهمية الإعلام في الدولة الديمقراطية.

المادة 1/ثانيا تعرِّف وسائل الإعلام وتُدخِل ضمنها “الوسائل … الإلكترونية وأية وسيلة أخرى”. ليس واضحا إن كان ذلك يشمل المدوَنات (البلوغات) والصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي وغير ذلك من الوسائل الحديثة مثل الإنستاغرام، والتانغو، والواتس أب والفايبر والفيسبوك والتويتر إلخ. يمكن القارئ أن يستشف ويفهم بأن فحوى هذه الفقرة يشمل كل هذه الوسائل المشار إليها وهي في الحقيقة وسائل تواصل بين الناس وليست وسائل إعلام رغم أنها تُستخدَم أيضا في الإعلام وبعض الناس يعتمدون عليها في الحصول على معلوماتهم لكنها ليست بالضرورة مهنية وتلتزم بقواعد مهنة الإعلام.

وفي حال أن هذه الوسائل مشمولة في القانون، فإن هذا ينطوي على انعكاسات قد تكون مؤثرة على العاملين في الشبكة لأن القانون يحظر في الفصل السابع منه، والموسوم “تضارب المصالح”، على العاملين في الشبكة “الجمع بين وظيفتين أو العمل بأية صفة كانت في وسائل الإعلام غير المرتبطة (بـ) الشبكة (كذا)”. ‪ إن كان الأمر كذلك فإنهذا يفسح المجال أمام إدارة الشبكة لأن تمارس ضغوطا على موظفيها والعاملين فيها بخصوص تعليقاتهم المنشورة عبر تلك المواقع بحيث يمكنها منعهم من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عبر باب “تضارب المصالح” في حال نشرهم تعليقات أو تغريدات أو مواد لا تعجب الإدارة أو أحد المسؤولين أو المتنفذين فيها. لذلك يجب التمييز، في ما يتعلق بهذا القانون، بين وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ووسائل النشر كالمدونات والمواقع الشخصية رغم التداخل الكبير بينها. مرة أخرى يجب ألا يتضمن القانون أي بند يقيد الحريات الأساسية للعاملين في الشبكة بل يمكن الاكتفاء بالقول إن على العاملين في الشبكة الالتزام بالمعايير المهنية وتعليمات الإدارة بخصوص استقلالية عمل الشبكة.

وعلى رغم أن الآراء المعروضة في وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تخدش في استقلالية ومهنية مطلقيها، خصوصا إذا كانت تلك الآراء منحازة، لذلك يجب عليهم الحذر وعدم التصريح بآراء يمكن أن تؤثر على استقلالية عمل الشبكة، إلا أن الآراء تبقى آراءهم ولا علاقة للشبكة فيها لذلك يجب ألا يوضع أي قيد على حرية الأشخاص في القانون بل يترك الأمر لمهنية الشخص ورأي مديريه بأدائه مع احتفاظ الجميع بحقوقهم التي كفلها لهم القانون كمواطنين وموظفين. جدير بالذكر أن المؤسسات الإعلامية المستقلة لم تعد تمنع العاملين فيها من إبداء آرائهم على وسائل التواصل كالفيسبوك وتويتار، خصوصا إن كانت لا تخدش بمهنيتهم واستقلاليتهم ولا تفشي أسرار العمل أو تضعف موقف الإدارة والمحررين وباقي الموظفين.

 المادة 1/رابعا المخصصة لقواعد ممارسة المهنة تتحدث عن “جهات مرخص لها بتقديم خدمات إعلامية” فهل يعني هذا أن أي جهة تقدم خدمات إعلامية في العراق يجب أن تكون مرخصة؟ المعروف في العالم الحر أنه لا يوجد أي ترخيص للانتاج الإعلامي سوى إجراءات التسجيل من أجل يكون المنتج معروفا ومسؤولا عن نتاجه ويدفع الضرائب المستحقة على نشاطاته التجارية. الترخيص يعتبر قيدا لأن هناك من سيمنع الترخيص للجهة التي لا يتفق معها أو لا تخدم مصالحه أو مصالحة المجموعة التي ينتمي إليها لذلك يجب أن تلغى كل التراخيص المتعلقة بالعمل الإعلامي باستثناء الاستحقاقات المهنية لأن أي قيد على وسائل الإعلام يحد من قدرة المجتمع على معرفة الحقيقة وكشف الأخطاء والعراقيل التي تواجه المجتمع.

المادة 1/سابعا تتحدث عن “التميُّز” وتوضحه بمعايير التفوق والاختلاف والحرص والإبداع والتجديد وتجنب التقليد والمحاكاة للبرامج التي تبثها الهيئات الإعلامية المماثلة الأخرى محليا وخارجيا. يجب ألا يقاس التميز بالتفوق على الهيئات الإعلامية الأخرى، خصوصا الخارجية منها التي تمتلك خبرات وإمكانيات مالية وتقنية هائلة، بل بإختلاف مواصفات المواد المقدمة بحيث تكون مختلفة. من المنطقي أن يُحدَّد التميز باحتياجات الجمهور بحيث تقدم الشبكة ما يتلاءم مع اهتمامات هذا الجمهور وعاداته وأنساق استهلاكه للمواد الإعلامية.

المادة 1/تاسعا تُعرِّف الاستقلالية بتوفر “القدرة المالية والتحريرية والإدارية على ممارسة العمل”، ولكن الاستقلالية ليست توفر القدرة فحسب، وإنما في وضع القدرة موضع التنفيذ والعمل بعيدا عن النوازع الذاتية والانحيازات الشخصية وبشكل محايد. لذلك يجب أن تكون هناك معايير مهنية واضحة يُلزم العاملون بها ويتوقع المتلقون أن يروها أو يلمسوها في تغطيات الشبكة ونتاجها بشكل عام.

المادة 1/عاشرا تتناول الشمولية ولكن مفهوم الشمولية المستخدم يركز على جانب عددي كمي من حيث إنه يحدد الشمول بالوصول إلى أكبر عدد من من المواطنين وشرائح المجتمع العراقي المختلفة في الداخل والخارج. ثمة جانب آخر للشمول يغفله هذا المشروع تماما وهو يتجسد بالتوازن والتكافؤ والتنوع الكيفي للبرامج من حيث أنواعها ومضامينها بما يحول دون الانحياز أو التحيز لطرف ما. بعبارة أخرى الشمول يعني أن تكون جميع مناحي الحياة، الثقافية والفنية والاقتصادية والاجتماعية، لجميع المواطنين مشمولة ببرامج ونشاطات الشبكة.

 المادة 2 تربط الشبكة بمجلس الوزراء وهذا  ينسف كليا الاستقلالية والعمل وفق مبادئ الشمولية والتنوع والتميز. كيف يمكن ضمان استقلالية الشبكة أو أي من الهيئات المستقلة الأخرى إن كانت مرتبطة بمجلس الوزراء؟ يجب أن ينص القانون على استقلالية سياسة الشبكة التحريرية عن أية جهة أو سلطة من سلطات الدولة وهذه من أساسيات الإعلام الحر ولا داعي للتوسع فيها.

المادة 4 تفرض على الشبكة أن “تلتزم بالمبادئ والاتجاهات العامة للدولة وفقا للدستور” وهذه المادة أسوأ حتى من المادة السابقة وتطعن في صميم استقلالية الهيئة كمؤسسة إعلامية مؤتمنة على نقل الحقائق لجمهورها وفسح المجال أمام الرأي والرأي الآخر، بما في ذلك الرأي المعارض لسياسة الدولة. بالتأكيد هناك فرق شاسع بين الدولة ككيان سياسي ذي صفة معنوية والجهاز الحاكم فيها أو الحكومة. ولكن الخطورة تنبع من الخلط الشائع في بلداننا بين الدولة والحكومة وبين المصالح العليا للدولة ومصالح السلطة الحاكمة.

ولا توضح هذه المادة من هي الجهة التي تضع المبادئ والاتجاهات العامة للدولة ما يفتح الباب على مصراعيه أمام فرض مفهوم السلطة الحاكمة للمبادئ والاتجاهات العامة للدولة على أنه يمثل الفهم الصحيح لتلك المبادئ والاتجاهات العامة للدولة. يجب أن تنص المادة على الالتزام بالمعايير المهنية والشفافية وقيم العدالة والانصاف في تغطية الأخبار والآراء والنشاطات المختلفة.

المادة 6/ثانيا تضع للشبكة هدفا غير واقعي بحيث توجب عليها “تأمين توجيه خدمة البث العام والنشر والإرسال إلى جميع أبناء الشعب العراقي بكل مكوناته الاجتماعية وتياراته السياسية”. إن روح هذه المادة تفيد ضمنا مراعاة كل المكونات الاجتماعية والتيارات السياسية في العراق. وإذا ما كان أمر مراعاة كل المكونات الاجتماعية ممكنا، مع ما يشوب ذلك من صعوبات وإشكاليات، فإن مراعاة كل التيارات السياسية سيكون من المستحيلات وسرابا وحلما غير واقعي لا يمكن تحقيقه بل ويفسح المجال لمطالبات من شتى التيارات السياسية لفرض رؤاها ومصالحها على الشبكة وبرامجها ومضامين موادها وسياستها التحريرية.  

وسائل الإعلام المستقلة تنقل الحقائق ولا تروج لأي قضية سياسية

يجب التأكيد بأن لجنة الثقافة والإعلام الحالية برئاسة السيدة ميسون الدملوجي تسعى إلى تعديل مشروع القانون الذي نناقشه في هذه المقالات وإن اللجنة مشكورة دعت عددا كبيرا من الصحفيين، بينهم كاتب السطور، إلى البرلمان لمناقشة المشروع وقد أبدوا ملاحظاتهم المنتقدة له في جلسة الاستماع التي عقدت في التاسع عشر من نيسان الماضي. ونواصل في الحلقة الثانية من هذه المقالات مناقشة مسودة مشروع القانون بهدف إلقاء الضوء على ما يجب أن يحتويه القانون وما يجب أن يتجنبه.

المادة 6/ثالثا توجب على الشبكة (تقديم برامج تساعد على تطوير لغات الأقليات وثقافاتها بشكل لا يثير الخلافات)! لا يمكن أحدا أن يتنبأ دوما بما يمكن أن يثير الخلافات خصوصا في مجتمع متنوع يعاني من كثرة الخلافات كالمجتمع العراقي. كما إن الشبكة ليست ذراعا من أذرع وزارة التربية والتعليم كي تكون مهمتها تطوير اللغات، بل إن مهمتها تتمحور حول الإعلام ونقل المعلومة الصحيحة للمتلقين، ولكن بالإمكان إلزام الشبكة بنتاج ثقافي رفيع المستوى يساهم في تطوير اللغات والثقافات.

المادة 6/خامسا تطالب الشبكة بعدم الترويج للممارسات العنصرية والطائفية والدكتاتورية والعنف والإرهاب ورغم أن هذا مشروع ومطلوب إلا أنه يجب تحديد الأفكار والممارسات العنصرية والطائفية والدكتاتورية بدقة عبر ملاحق تبين كل المفاهيم الواردة في القانون كي لا تستخدم هذه المادة في غير مقاصدها الحقيقية. بالإمكان اعتماد العهود والمواثيق الدولية كمعايير يجب الالتزام بها ولكن يجب أن يكون ذلك بنص قانوني صريح.

كذلك فإن (تسليط الأضواء على الحقبة الدكتاتورية… وإبراز معاناة الشعب العراقي) لن يكون نافعا والأفضل عدم إلزام الشبكة به بل إلزامها بالترويج لقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والعصرنة والتنمية الاقتصادية والبشرية وإطلاع العراقيين على التقدم الحاصل في البلدان الأخرى، فهذا أفضل بكثير من اجترار الماضي المرير وتبيان المعاناة التي لم يعد يجهلها أحد خصوصا وأنها ستبرز في الخطابات السياسية والمناهج الثقافية والتعليمية.

المادة 6/سادسا/أ تتحدث عن “خدمة مصالح الشعب بكل أطيافه”. يجب توضيح ما هو المقصود بـ”أطياف” الشعب. هل المقصود بها مكونات الشعب العراقية الدينية أم المذهبية أم العرقية أم القبلية أم المناطقية أم الحزبية السياسية أم ماذا؟ وما هي مصالح الشعب ومن الذي يعرفها ويحددها؟ ولماذا يطلب من الصحفيين معرفة مصالح الشعب وخدمتها؟ فهل يطلب من المهندسين والاطباء والتقنيين مثلا معرفة مصلحة الشعب؟ هذه الأمور تخضع للرأي السياسي والتفسير الشخصي ويجب تجنيبُ الشبكة والعاملين فيها الخوض فيها والأهم من ذلك هو إلزامُها بالمعايير المهنية وقيم العدالة والإنصاف والشفافية ونقل الحقيقة. نعم يجب أن تسعى الشبكة لخدمة الصالح العام لكن ذلك يتم عبر التزامها بالمعايير المهنية والقانون فحسب.

المادة 6/سادسا/د تتحدث عن “المساهمة في تطوير الآراء الهادفة إلى تسهيل وتشجيع مشاركة المواطن في العملية السياسية الديمقراطية” والسؤال هو من الذي يحدد هذه الآراء؟ وهل تستثنى هنا الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات التي تعتبر حقا طبيعيا في النظام الديمقراطي، شأنُها في ذلك شأن الحق في المشاركة في العملية الانتخابية وفي الاقتراع؟ أليست الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، رغم سلبيتها، موقفا سياسيا يغني العملية السياسية  والحراك الديمقراطي في البلاد؟

ليس هناك قانون في العراق يمنع عدم المشاركة في الانتخابات أو يلزم الناخبين بالاقتراع كما هو الحال في البرازيل مثلا. لذلك فإنه ليس من شأن وسائل الإعلام المستقلة أن تروج لأي شيء بل عليها أن تنقل الحقائق المجردة من الرأي السياسي وإن ارادت نقل الآراء فإن عليها أن تنقل كل الآراء أو تفسح المجال لأصحاب الرأي في التعبير عنها. يجب تجنيب الشبكة الخوض في اي مسألة سياسية لأن في ذلك إقحاما لها في المسائل السياسية ومن شأنه أن يعرضها للاتهام بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك بل قد يستغل بعض المنحازين ممن يعملون في الشبكة هذه المادة للترويج لما يرونه “تشجيعا” للعملية السياسية بينما قد يكون في حقيقته تشجيعا لجهة أو فكرة سياسية معينة.

المادة 6/سادسا/هـ مشوبة بالغموض والالتباس. ما هو المقصود بالضبط بعبارة “وفقا للقانون” التي تقيد هامش الآراء والاتجاهات السياسية والفلسفية والدينية والعلمية التي يمكن أن تعكسها الشبكة في برامجها؟ ولا أدري لماذا شُمِلَت الآراء العلمية بهذه الفقرة! هل يمكن تصور تعارض العلم والحقيقة العلمية مع القانون مثلا؟ وهل يمكن أي رأي ضمن اصطفافات الجدل العلمي أن يُستثنى بحجة تعارضه مع القانون؟

المادة 7/ثانيا: تنص على سعي الشبكة لأن “تكون منبرا حرا يعزز حرية الرأي والرأي الآخر على أن تستبعد التجريح والتشهير بالآخرين”. مرة أخرى، كيف يمكن أن نضمن بقاء الشكبة “منبرا حرا” إذا ما كانت تابعة لمجلس الوزراء؟ ليس هناك في نص مسودة مشروع القانون ما يضمن أو يوفر الشروط الموضوعية لعمل الشبكة كمنبر حر، بعيدا عن سياسة مجلس الوزراء وجهاز السلطة الحاكمة والحزب أو الأحزاب المتمثلة في هذا الجهاز الحكومي.

المادة 7/ثالثا تنص على مراعاة قيم وتقاليد المجتمع العراقي بجميع مكوناته. وهذه الصياغة فضفاضة جدا. ما هي هذه القيم والتقاليد؟ ومن الذي يحددها؟ وكيف يُتعامل مع قيم وتقاليد المجتمع العراقي في حال تناقضها؟ ماذا لو تزامنت مناسبات لمكون معين من مكونات الشعب العراقي مشوبة بالحزن والأسى، كعاشوراء على سبيل المثال، مع مناسبات مشوبة بالفرح والحبور والبهجة تخص مكونات أخرى، مثل عيد الخليقة أو عيد الميلاد أو النوروز أو غير ذلك؟ وقد حصل في السنوات الأخيرة تزامنٌ من هذا القبيل واضطر المسيحيون (وإن بإرادتهم) أن يلغوا احتفالاتهم لأنها تزامنت مع مناسبات لمكونات أخرى.

مراعاة التقاليد والحساسيات هي من صميم السياسة التحريرية ويجب أن تترك لمقرري هذه السياسة وهؤلاء يعرفون تماما، إن كانوا مهنيين وخبراء، مزاج المجتمع ومتى وأين وكيف يراعون التقاليد والحساسيات والأمزجة. إنها مسألة متغيرة ويجب أن تترك لحكمة رؤساء التحرير ولا توضع ضمن القانون.

المادة 7/رابعا/ج تتحدث عن (احترام خصوصية الإنسان وشؤونه الشخصية). هذا حق لكل مواطن ولكن ماذا لو تداخلت هذه الشؤون الشخصية مع الشأن العام وهذا يحصل في أغلب الاحيان مع الأشخاص المتصدين للشأن العام كالرؤساء والقادة والوزراء والمديرين وغيرهم فالشأن الخاص لهؤلاء يدخل في الشأن العام أيضا لأنه يهم الناس. لذلك يجب أن تترك هذه المسألة أيضا لمقرري السياسة التحريرية أو على الأقل تضاف عبارة (إلا بالقدر الذي يتعلق بالمصلحة العامة واهتمامات المتلقين) ويترك تفسير ذلك للمحاكم التي تنظر في مثل هذه الدعاوى في المستقبل. إن إهمال القضايا المتعلقة بالرؤساء أو الوزراء وباقي الشخصيبات العامة بحجة أنها قضايا خاصة يعتبر إهمالا في واجب الصحفيين تجاه الرأي العام الذي يهتم لها خصوصا إن كانت تتعلق بشأن العام بطريقة أو بأخرى. من ناحية ثانية فإن وسائل الإعلام الأخرى لن تهمل مثل هذه الأمور ما يعني أن متلقي الشبكة سوف يُحرمون من تغطية قضايا تهمهم ولكن لا تغطيها الشبكة بل محطات أخرى، ومن هنا فإنهم سوف يبحثون في وسائل الإعلام الاخرى عما يهمهم وهذا سيقلص من جمهور الشبكة وقدرتها على الوصول إلى المتلقين.

كيف يمكن أن تتبنى هييئة مستقلة الخطاب الرسمي للدولة؟

لا شك أن مسودة المشروع التي نناقشها في هذه المقالات لا تصلح مطلقا لأن تكون قانونا لشبكة الإعلام، أو “هيئة الإعلام العراقية”، كما اقترح أن تسمى، لأن هذه المسودة تتعارض مع مبادئ الإعلام الحر وما متعارف عليه من حريات في الدول الديمقراطية، بل هي تتعارض  أيضا مع مبادئ الدستور العراقي. لجنة الثقافة والإعلام الحالية في البرلمان مصممة على تغييرها ونأمل أن تؤخذ هذه الملاحظات بنظر الاعتبار عند صياغة القانون المقبل الذي نأمل أيضا أن يضمن حرية التعبير واستقلالية الشبكة التي يجب أن تقدم خدماتها للعراقيين جميعا بكل توجهاتهم السياسية ومستوياتهم المعرفية وتلاوينهم الثقافية.

المادة 7/رابعا/د تنص على “إطلاع الرأي العام بشكل منتظم عبر وسائل الإعلام على عمل ونشاطات شبكة الإعلام العراقي”. إن عبارة “بشكل منتظم” لا تحدد فترة زمنية معينة. عن أي فترة زمنية معينة نتحدث هنا؟ هل المقصود إطلاع الرأي العام على عمل ونشاطات الشبكة بشكل دوري كل شهر، أم كل فصل، أم كل سنة، أم ماذا؟ وهل المقصود بوسائل الإعلام المشار إليها هنا وسائل إعلام الشبكة فقط؟

وما هي طبيعة النشاطات التي يجب على الشبكة إطلاع الرأي العام عليها؟ وماذا لو تطلّب إطلاع الرأي العام على عمل ونشاطات الشبكة عبر وسائل الإعلام أن تعلن الشبكة عن هذه النشاطات عبر شراء مساحات أو فترات إعلانية في وسائل إعلام أخرى؟ هل سترصد مبالغ مخصصة لذلك في ميزانية الشبكة؟ الأفضل هو إلزام الشبكة بالشفافية ونشر معايير وشروط العمل فيها وكيفية التعبير عن الرأي في نشاطاتها وكيف، كأن يكون هناك برنامج أو موقع الكتروني يتلقى أو ينشر آراء المتلقين بالمواد التي تبثها الشبكة.

كذلك فإن بعض قرارات إدارة الشبكة قد تكون ذات طابع خصوصي أي يتعلق بخصوصية بعض الأشخاص الذين يعملون أو تقدموا للعمل في الشبكة أو ممن عوقبوا أو لم تقبل طلباتُهم في التوظف في الشبكة، فكيف تلتزم الشبكة أو الهيئة بأن تطلع الرأي العام عليها؟ هذه المسألة يجب أن تترك لحكمة الإدارة ومهنيتها كي تعالجها حسب الضرورة ودون المساس بالمبادئ الأساسية أو القاوانين المرعية.

المادة 7/رابعا/هـ تتحدث عن تقديم الطلبات والشكاوى من قبل المواطنين. ليس واضحا ما هو المراد من عبارة “طلبات” هنا؟ هل هي طلبات للحصول على فرص عمل مثلا؟ أم طلبات للحصول على معلومات؟ أم غير ذلك؟ كما تغفل هذه الفقرة كليا الحديث عما سيحل بهذه الشكاوى بعد تقديمها. وماذا لو كانت هذه الطلبات كثيرة والنظر فيها مكْلف بحيث تتطلب إمكانيات كبيرة لا تمتلكها الشبكة؟ 

فضلا عن ذلك، فإن المادة 16/عاشرا تمنح مجلس إدارة الشبكة صلاحية “تحديد أسلوب الاستماع إلى الطلبات والشكاوى الخاصة بعمل الشبكة لدراستها والبت فيها” وهذا يجعل من الشبكة خصما وحكما في آن. ثمة تضارب مصالح واضح هنا. فهذه المادة تضع مجلس الإدارة في موقعي الطرف المعني بالشكوى، أو المشكو منه، والطرف الذي سيحكم في هذه الشكوى ويبت فيها. ينبغي لحل هذه الإشكالية تشكيل هيئة مهنية مستقلة عن الشبكة تنظر في الشكاوى بحيث تأتي قراراتها محايدة ولا تحابي مجلس إدارة الشبكة أو العاملين فيها. وهذا بالضبط ما أدرجناه في وثيقة أثينا للإعلام الحر التي وُضعت تحت تصرف الحكومة العراقية في عام ٢٠٠٣والتي كان لي شرف المشاركة في كتابتها والاشراف على إعدادها .

المادة 7/رابعا/ز تقوض حياد شبكة الإعلام العراقي تقويضا تاما وتهدم بنيان استقلاليتها وتحيل حياديتها إلى حبر على ورق بحيث إنها تفرض وتوجب أن “تتبنى الشبكة الخطاب والموقف الرسمي للدولة العراقية عبر مؤسساتها الدستورية”. غني عن القول إن هذه الفقرة تستثني الآراء والمواقف التي لا تتبناها أروقة السلطة والقرار في الدولة العراقية مما يجعل نزاهة وأخلاقية عمل الشبكة (التي يفترض أنها هيئة مستقلة) موضع تشكيك ويشكل ضربة لصدقيتها. ناهيك عن أن نص هذه الفقرة يؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه من أن مسودة مشروع القانون هذا تعتمد وتتبنى الخلط الشائع في بلادنا بين الدولة والحكومة وبين المصالح العليا للدولة ومصالح السلطة الحاكمة التي يقودها في العادة حزب سياسي معين له سياساته وأيديلوجيته التي تتعارض مع باقي الأحزاب والتجمعات السياسية الأخرى.

أما المادة 7/خامسا فهي مشوشة وملتبسة، فهي مثلا تتحدث عن “تغطية النشاطات الحكومية لمؤسسات الدولة الأخرى”؟ هل يمكن مؤسساتِ الدولة أن تكون لها نشاطات غير حكومية؟ ولماذا تُخصص فقرة خاصة لمؤسسات أخرى للدولة؟ وكيف يمكن أن نميز هذه المؤسسات (الأخرى) عن غيرها من مؤسسات الدولة؟ يجب على الشبكة أن تغطي كل النشاطات التي تهم المواطن العراقي بما في ذلك النشاطات الحكومية أو نشاطات الأحزاب والتيارات السياسية الموالية والمعارضة على حد سواء بالإضافة إلى مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية.

المادة 8/أولا تنيط برئيس الشبكة كل شيء من إدارة الشبكة إلى رئاسة التحرير إلى إدارة الشؤون اليومية وهذا غير مقبول فلا يجوز أن يتولى رئيس المؤسسة كل شيء لأن ذلك يجردها من عملها كمؤسسة ويضعها في أيدي شخص معين. مهمة رئيس الشبكة هي الإشرافَ على عمل الشبكة وليس الإدارة اليومية ورئاسة التحرير التي يجب أن توكل لمهنيين وخبراء… ثم كيف يكون رئيس الشبكة رئيسا لمجلس الإدارة وفي الوقت نفسه يعمل تحت إشرافه؟ الأفضل أن يلتزم بقرارات مجلس الإدارة أو مجلس الأمناء كما هو معتاد فالشبكة مؤسسة عامة ومن المهم أن يكون لها مجلس أمناء وليس مجلس إدارة باعتبار أن ذلك من صفات الشركات.

المادة 8/ثانيا وثالثا تشيران إلى أن رئيس الشبكة “يُعيَّن” من دون التطرق إلى كيفية تعيينه باستثناء أن مجلس الإدارة يختاره. هناك إشارة إلى أن التعيين يجري وفقا للقانون ولكن لا يمكن الجزم هنا في شأن ماهية القانون الذي سيجري تطبيقه في هذا المورد. يمكن الافتراض أو التكهن بأن الرئيس سيعين وفقا للمعايير القانونية التي يعين بموجبها رؤساء الهيئات المستقلة، وذلك على ضوء ما ورد في المادة 12 من أن رئيس الشبكة يتمتع بصلاحية رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة فيما يتعلق بشؤون الشبكة.

ولكن لا يمكن الجزم أو القطع بذلك من دون وجود نص صريح في القانون يشير إلى طريقة التعيين، خصوصا وأن التمتع بصلاحية مساوية لرئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة لا ينطوي بالضرورة على تساوي المنصبين أو من يشغلهما في الترتيب الهرمي لجهاز الدولة. والملاحظات المدرجة هنا تنطبق نفسها على نائب رئيس الشبكة. ولم يحدد القانون الدرجة الخاصة لرئيس الشبكة إن كانت بدرجة وزير أم وكيل وزارة بينما حددت نائبه بدرجة مدير عام.

استقلال الشبكة ماليا أهم دعائم استقلالها السياسي

لابد من القول إن قانون الشبكة يجب أن يكون متكاملا ويتعاون في وضعه خبراء في الإعلام والإدارة والقانون ولا يمرر بشكل سريع دون دراسة مستفيضة لأن له تبعات خطيرة على البلد ككل وعلى حرية الإعلام والوضع السياسي والديمقراطي بأسره. ليس مبالغة القول إن مؤسسة إعلام الدولة، مهما كانت تسميتها، هي أهم مؤسسة في الدولة وقد تفوق في أهميتها مفوضية الانتخابات لأنها تشكل الرأي العام وتدخل في صميم البناء المعرفي للمواطن. واستكمالا للحلقات الثلاث الماضية، سأستعرض ما تبقى من مواد مسودة مشروع مبينا ما أراه مخلا بالقانون وعارضا البدائل التي أراها مناسبة.

المادة 9 أولا -1- تشترط أن يكون رئيس الشبكة أو الهيئة عراقيا. شخصيا لا أرى ضرورة لذلك في هذا المنصب لأنه مهني بحت وقد تكون هناك حاجة لأن يؤتى بشخص ذي كفاءة معينة لتولي المنصب وقد لا يكون هذا الشخص عراقيا لذلك لا أرى حاجة لهذا الشرط. المنصب ليس سياديا ولا سياسيا بل ينطوي على عمل مهني وهذه المؤسسات العربية والعالمية تدار من قبل مهنيين من دول أخرى وليس هناك اشتراط أن يحمل الجنسية الوطنية للدولة التي يعمل فيها لأنه، مرة أخرى، يؤدي عملا مهنيا غير منحاز. ليس لدي شك بأن شاغل المنصب سيكون عراقيا في أكثر الأحيان ولكن لا ضرورة في رأيي لاشتراط ذلك في القانون. 

المادة 9/أولا/ 3 تشترط حصول شاغل المنصب على شهادة جامعية اولية وكأن الشهادة هي الأساس في القدرة على العمل والإبداع. يجب ألا يركز القانون على الشهادة بل على الخبرة. ما أسهل الحصول على الشهادة هذه الأيام لكن الخبرة، خصوصا في مجال الإعلام، لا تأتي إلا عبر سنين طويلة من العمل المهني الدؤوب والتدريب المستمر. يجب التأكيد على أن معظم العاملين في مجال الإعلام لم يدرسوا الإعلام أكاديميا بل خبروه عبر العمل والتدريب وأن الخبرة العملية تؤهل الأشخاص لأن يدرِّسوا المادة أكاديميا، أي أن الخبرة العملية تسبق المؤهلات الأكاديمية حتى عندما يتعلق الأمر بالعمل الأكاديمي. بعض الجامعات تشترط في أن يكون المتقدم لتدريس مادة الإعلام قد عمل صحفيا لفترة معينة.

المادة 9/أولا/ 4 تشترط بأن تتوفر في رئيس الشبكة “خبرة ومعرفة واهتمام في المجالات التي تتعلق بمهام وواجبات الشبكة”، لكنها لا توضح ما هي هذه المجالات، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام التفسيرات المتباينة والمتناقضة. وبما أن مسؤوليات وواجبات المنصب تشمل مجالات إعلامية وإدارية فإنه يفترض أن يشير القانون بشكل محدد إلى تمتع رئيس الشبكة بمهارات وخبرة في هذه المجالات وخدمة لا تقل عن عشر سنوات مثلا. في نهاية المطاف يجب أن يكون رئيس الشبكة أو الهيئة مقبولا للجميع بحيث أنه غير منحاز لأي جهة سياسية أو مكوناتية كي يحظى بثقة الجميع.

المادة 9/أولا/7 تنص على  عدم انتماء رئيس الشبكة إلى حزب سياسي أو منظمة ترتبط بحزب سياسي خلال عمله بالشبكة وأن لا يمارس أي نشاط سياسي. هذا شرط أساسي بل يجب أن يشمل كل العاملين في المجال الصحفي في الشبكة ويضاف إليه أنه يجب ألا يُعرَف عن رئيس الشبكة أو أعضاء مجلس الإدارة أنهم أيدوا أو دعموا حزبا سياسيا بشكل علني خلال السنوات الخمس المنصرمة على الأقل. كما يجب أن يضاف إليه شرط آخر وهو عدم استغلال رئيس الشبكة أو أي من العاملين فيها منصبه للترويج لأي حزب سياسي أو عقيدة أو فكرة سياسية كانت أم غير سياسية، وإن ثُبت ذلك مهنيا بحق أي شخص فيجب استبعاده من العمل في الشبكة على الفور وفق إجراءات قانونية وإدارية شفافة. 

المادة 10 تحدد مدة رئاسة الشبكة باربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة! وكأن رئاسة الشبكة منصب سياسي كي يتحدد بأربع سنوات! الأفضل ألا يكون هناك مثل هذا التحديد باستثناء وضع سقف أعلى للبقاء في المنصب لا يتجاوز عشر سنوات. 

المادة 11/ثانيا تنص على أنه من بين المهام التي يضطلع بها رئيس الشبكة هي “إصدار التعليمات والأنظمة الداخلية والقرارات والأوامر لتسهيل أعمال الشبكة وتحقيق أهدافها”. ومن أجل تسهيل عمل الشبكة وانسيابيتها يجب أن يكون الرئيس قادرا على إنابة آخرين عنه للقيام بهذه المهام.

المادة 11/رابعا تنص على أن من مهام رئيس الشبكة “تعيين العاملين في الشبكة أو التعاقد معهم وإنهاء خدماتهم أو مناقلتهم وفقا لأحكام القانون ممن هم دون درجة رئيس تحرير أو مدير عام أو مدير، وإعلام مجلس الإدارة بذلك. هذه الفقرة لا تتناول من يعين من هم بدرجة رئيس تحرير أو مدير عام أو مدير. ثانيا، لا ضمانة متوفرة في هذه الفقرة بأن يأتي التعيين وفقا لمعايير مهنية. يجب أن تُسحب من رئيس الشبكة صلاحية التعيين، لأن أي فرد يمكن أن يستخدم هذه الصلاحية بشكل تعسفي ومزاجي. يجب أن تكون هناك معايير واضحة للتعيين في الشبكة تتولاها دائرة معينة وتتم عبر اختبارات مهنية ومقابلات محايدة تختبر فيها قدرات المتقدمين على أداء وظائفهم واختيار الأفضل منهم للموقع. 

من الضروري إعلاء شأن العدالة والمعايير المهنية في التوظيف إن أردنا أن تكون الشبكة مهنية ومحايدة ومنصفة في تغطياتها وبرامجها وموادها. وفي النهاية فإن المهنية تعني خدمة الصالح العام لأن النظام الديمقراطي لا يعمل بشكل جيد إلا بوجود إعلام مهني ومحايد. إنها ضرورة من ضرورات الدولة الحديثة.

المادة 13/أولا تفصل في الهيكل المؤسساتي والبنيوي للشبكة وتشير إلى وجود دائرة إدارية ومالية وقانونية. إن الخلط بين ما هو إداري ومالي وقانوني هنا أمر قد يثير إرباكا في عمل الشبكة. لذلك من الأفضل الفصل بين هذه المجالات وتشكيل دائرة إدارية، تُعنى من بين ما تعنى به بشؤون الموظفين والتوظيف، ودائرة مالية، تُعنى بالمسائل المالية والمحاسبية للشبكة، ودائرة قانونية، تُعنى بالجانب القانوني من عمل الشبكة والتأكد من مطابقة المواد التي تبثها وتنشرها الشبكة للقانون. كما يجب أن تكون هناك دائرة تُعنى بالتدريب وتطوير القدرات المهنية للعاملين فهذا أمر أساسي في أي مؤسسة إعلامية كبرى لأنه يضمن تطور العاملين في الشبكة ومواكبتهم للمهارات الحديثة.

بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك دائرة تُعنى بشؤون الإعلام الإلكتروني وهذا إغفال غريب مع وجود نص في البداية يشمل الإعلام الإلكتروني ويضعه على قدم المساواة مع الإعلام المقروء والمسموع والمرئي. يمكن التكهن بأن الإعلام الإلكتروني سيوضع ضمن دائرة الصحافة والمطبوعات. ولكن آفاق الإعلام الإلكتروني قد تجاوزت آفاق الإعلام المطبوع والمقروء وتطورت إلى مرحلة تجمع بين ما هو مرئي ومسموع ومقروء ما يجعله حقلا فريدا من نوعه وتتطلب مقتضيات مواكبة التطورات الحاصلة في مجال الإعلام الإلكتروني تخصيص دائرة خاصة بهذا الإعلام في الشبكة تشرف على موقع كبير وشامل يحتوي على كل الأخبار والبرامج والمواد العلمية والرياضية والاجتماعية وباقي المواد التي تبثها أو تنشرها الشبكة في وسائل إعلامها.

شبكة الإعلام ليست جزءا من المحاصصة السياسية أو الطائفية 

من الضروري ألا تكون الشبكة جزءا من التقسيمات السياسية للمناصب فاستقلالها ضرورة من ضرورات الدولة الديمقراطية الحديثة. يجب ألا يكون رئيس الشبكة أو الهيئة أو أي من أعضاء مجلس الأمناء أو طاقمها الإداري أو التحرير سياسيا، والمطلوب أن يكونوا جميعا معنيين يحظون بثقة معظم المكونات الاجتماعية والتيارات السياسية. إن دخلت هذه المؤسسة ضمن المحاصصة السياسية أو المكوناتية فإن جميع العراقيين سوف يتضررون. يجب أن يكون إعلام الدولة مستقلا كي يخدم المواطنين جميعا ومصالح الدولة بكل مكوناتها وهذا ليس موقفا سياسيا بل هو من أساسيات وضرورات قيام الدولة الحديثة، حتى وإن لم تكن ديمقراطية. انحياز الإعلام لجهة ما يعني فيما يعنيه تضليل الجماهير أو جزء منهم وإخفاء الحقيقة عنهم وهذا له انعكاسات سلبية ونتائج وخيمة على أمن المجتمع وتطوره الاقتصادي وتماسكه الاجتماعي لذلك يجب أن يؤخذ هذا الأمر بالجدية التي يستحقها.

المادة 14/أولا قد تترك انعاكاسات خطيرة على تركيبة مجلس إدارة الشبكة بحيث إنها تفتح المجال أمام وضعه ضمن أطار المحاصصة السياسية والطائفية والقومية وغيرها. تنص الفقرة على أن “يتألف مجلس الإدارة من رئيس الشبكة ونائبه والمديرين العامين للدوائر المنصوص عليها في المادة (13) ويعبرون عن مصالح وثقافات مكونات الشعب العراقي”. والحرص على التعبير عن مصالح وثقافات مكونات الشعب العراقي قد يُترجم عمليا بمحاصصة من نوع ما وتعيينات سياسية لرئيس الشبكة ومجلس إدارتها. لذلك فإن من الضروري التأكيد على المهنية والخبرة فهما كفيلتان بالتعبير عن ثقافات ومصالح مكونات المجتمع العراقي.

إلى جانب ذلك، يجب ألا يكون المفتش العام عضوا في مجلس الإدارة فهذا يتناقض مع دوره الرقابي ويجب أن ينص على ذلك في القانون.

المادة 14/ثانيا تؤكد على أن “يؤدي مجلس إدارة الشبكة أعماله مستقلا عن السلطة التنفيذية للدولة أو أية هيئة أو منظمة أو شخص آخر له علاقة بإنتاج البرامج المرئية والمسموعة والمقروءة أو الأنشطة المتعلقة بها”. ثمة تناقض بين هذه الفقرة وفقرات أخرى في القانون. فكيف يمكن مجلس إدارة شبكة الإعلام أن يؤدي عمله بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية للدولة في وقت  “تتبنى الشبكة الخطاب والموقف الرسمي للدولة العراقية عبر مؤسساتها الدستورية”، حسب المادة 7/رابعا/ز، والسلطة التنفيذية هي من المؤسسات الدستورية لهذه الدولة، بينما تفرض مسودة مشروع القانون هذه أن “تلتزم الشبكة بالمبادئ والاتجاهات العامة للدولة وفقا للدستور” (المادة 4)؟ ويتجلى لنا التناقض الصارخ على أشده في هذه المسودة حين تربط الشبكة بالسلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) وتوجهاتها ورؤاها ونهجها السياسي بينما تطلب من مجلس إدارة الشبكة أن يؤدي عمله بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية عينها.

 تنص المادة 16/ثانيا على تولي مجلس الإدارة أمر “رسم السياسة العامة للشبكة وتحديد الاتجاهات الرئيسة لخطابها الإعلامي في ضوء مفاهيم البث العام المعمول بها عالميا، وبما يتفق وأحكام القانون”. إن أمر تحديد الاتجاهات المهنية والسياسة التحريرية للشبكة أمر تحريري وليست أمرا إداريا صرفا، وبالتالي فإن هذا الأمر ينبغي أن يناط ليس بالمجلس وحده وإنما بالمجلس وبهيئة تحريرية مهنية تضطلع بدور رئيس في رسم وتطبيق السياسة التحريرية للشبكة. في كل الأحوال ليس هناك خطاب محدد للشبكة لأنها ليست جهة سياسية بل هي مؤسسة مهنية لديها سياسة ترتكز على أسس مهنية تهدف إلى خدمة المجتمع عبر إيصال الحقائق التي تهمه له ولا يفترض أن يكون لها خطاب معين.

يجب الإشارة إلى أنه ليس واضحا ما هو المقصود بعبارة “وبما يتفق وأحكام القانون”. هذه عبارة ضبابية وعائمة. فضلا عن ذلك، فإن هناك في الفقرة تاسعا من المادة 16 ما يوحي بأن طرفا آخر غير مجلس إدارة الشبكة هو الذي يصوغ التعليمات والقواعد الخاصة بالبرامج والمعايير المهنية وأن المجلس يقرها فقط. ولكن ينبغي إيضاح من هي هذه الجهة الأخرى ولهذا فإن النص على دور الهيئة التحريرية يحسم الأمر ويقطع الطريق أمام أية اجتهادات في هوية أو ماهية الجهة التي تصوغ التعليمات والقواعد والمعايير التي سيقرها مجلس الإدارة.

تنص المادة 17 على أن “لمجلس الإدارة تخويل بعض مهامه إلى رئيس المجلس” لكنها لا توضح أو تشرح الظروف أو الشروط التي قد توجب مثل هذا التخويل. ثم لماذا لا يخول المجلس صلاحياته إلا لرئيسه؟ ألا يمكن للمجلس أن يخول بعضا من صلاحياته ولفترات زمنية وأغراض محددة إلى أشخاص أو فروع وشعب وتشكيلات مؤسساتية في الشبكة غير الرئيس؟

تنص المادة 19 على أن “يمارس المفتش العام مهامه وفقا للقانون”، ولكن دون الإشارة إلى القانون الذي ينظم عمل المفتش العام ومهامه في الشبكة. يجب الإشارة إلى هذا القانون.

المادة 22 تحدد تمويل الشبكة وتنص على أنه من ميزانية الدولة وهنا تكمن إشكالية كبيرة لأن الذي يضع الموازنة هو الحكومة ما يعني أن الحكومة ستتحكم بالشبكة عبر التمويل. يجب أن تمول الشبكة عبر قانون الضرائب وأن تكون هناك ضريبة خاصة بها تجبى عبر جهاز الضرائب أو مع فاتورة الكهرباء مثلا كي لا تشعر إدارة الشبكة أن للحكومة عليها فضلا ما يجعلها تتأثر بسياساتها أو تلبي طلباتها ذات الطابع السياسي. يمكن أيضا إضافة أنشطة أخرى قد تدر على الشبكة مردودات وعوائد مالية مثل تدريب الإعلاميين، وخدمات العلاقات العامة، وتنظيم المؤتمرات والبرامج الثقافية، وغير ذلك. ولكن يجب ألا تقبل الشبكة بعرض الإعلانات المدفوعة الثمن لأن ذلك يجعلها عرضة لتأثيرات المُعلنين من شركات وأفراد.

المادة 27 تربط موظفي الشبكة بجهاز الخدمة المدنية وهذا يخل باستقلالية الشبكة ويجعلها تقع تحت تأثير الحكومة التي تقرر الرواتب وتعدل القوانين وما إلى ذلك. ومن أجل أن يكون موظفو الشبكة مستقلين ومحايدين في عملهم يجب ألا يرتبطوا بقانون الخدمة المدنية لموظفي الدولة بل يكون لهم قانون آخر غير خاضع للسلطة التنفيذية التي قد تتخذ قرارا بزيادة الرواتب أو المخصصات الذي من شأنه أن يؤثر على استقلالية عمل موظفي الشبكة كما أسلفنا. يجب أن يكون هناك قانون خاص بموظفي الشبكة لا يخضع للمؤثرات السياسية من أجل ضمان استقلاليتهم وحياديتهم.

أما المادة 29 التي تعتبر القانون نافذا من تأريخ نشره في الجريدة الرسمية فهذا تقليد قديم يجب أن ننتهي منه خصوصا وأن الجريدة الرسمية، والمقصود بها هنا هو الوقائع العراقية، تتوقف عن الصدور في بعض الأحيان مما يتسبب في تعطيل القوانين. ‪الأفضل أن يكون أي قانون نافذا من تأريخ إقرار القانون في مجلس النواب لكن هذا شأن مجلس النواب وليس الشبكة. ختاما يجب التأكيد على أن الشبكة تخدم العراقيين جميعا بكل تنوعاتهم الاجتماعية والدينية والسياسية وأن من مصلحة الجميع، أكرر، الجميع، أن تكون مستقلة تماما عن الحكومة والأحزاب السياسية كي لا تستخدم من قبل جهة ضد أخرى.

بيت الاعلام العراقي

http://www.imh-org.com/%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%B8%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-